عربي
في فبراير عام 1848، حين أعلنت فرنسا قيام جمهوريتها الثانية وسط هتافات الجماهير في شوارع باريس، بدا الأمر وكأنّ الديمقراطية قد انتصرت أخيراً. سقط الملك، وارتفعت الشعارات، وبدأت النخب الجديدة نقاشاتها الطويلة حول الدستور، وتوزيع الصلاحيات، وشكل الدولة الحديثة، لكن بينما كانت الكلمات تزدهر في القاعات، دخلت الدولة فراغاً قاتلاً. توقفت الإدارة وتعثرت الخدمات وازداد الفقر، فيما كان الناس ينتظرون حكومة قادرة على الفعل لا على الخطابة. لاحقاً، وفي معرض النقد والمراجعة، كتب ألكسيس دو توكفيل: إن أخطر ما يهدد الديمقراطية ليس الاستبداد، بل العجز، حين تطول الإجراءات وتغيب الدولة عن حياة مواطنيها.
بعد قرن ونصف تقريباً، يتكرر المشهد بصيغ مختلفة. ففي عراق اليوم، تستغرق العملية الديمقراطية قرابة 150 يوماً، منذ دخول الحكومة في وضع تصريف الأعمال وحتى التصويت على الكابينة الوزارية. وهي مدة تمثل الحد الأقصى للتوقيتات الدستورية، لكنها عملياً أصبحت القاعدة لا الاستثناء. ففي أفضل الأحوال، تمضي الإجراءات مستغرقة كامل هذا السقف الزمني، وربما تتجاوزه، كما حدث في حكومات نوري المالكي الثانية، وحيدر العبادي، وعادل عبد المهدي، ومصطفى الكاظمي، ومحمد شياع السوداني.
خمسة أشهر، أو مئة وخمسون يوماً، تبقى فيها الدولة بلا صلاحيات فعلية، إدارة معلّقة، وقرارات مؤجلة، بينما تتراكم الأزمات. وكالعادة، لا يدفع ثمن هذا الفراغ رؤساء الأحزاب ولا صناع القرار، بل المواطن البسيط الذي لا تعنيه تفاصيل السياسة، ولا صراعات الكتل، ولا الخلافات الشخصية المغلّفة بالشعارات.
الغاية من الديمقراطية (جوهرها) أن ينعم المواطن بعيش كريم، لا أن تتحول إلى نقمة، ولا إلى مستنقع لأمراض السياسة والإدارة: من بيروقراطية خانقة، وانتهازية مصلحية، ونفعية تُقدَّم فيها الحسابات الضيقة على مصلحة الدولة. فعندما تطول المسافة بين صندوق الاقتراع وحكومة فاعلة، تصبح الديمقراطية وعداً مؤجلاً، وتتحول الدولة من خدمة الناس إلى اختبار لصبرهم.
من هنا نكرّر دعواتنا لمراجعة بعض مواد الدستور وتعديل ما يلزم نحو الشكل الذي يضمن القضاء على البيروقراطية في تشكيل الحكومات. كذلك، إنّ عُلوية الدستور تقتضي تشريع نصوص جزائية حاسمة تقطع الطريق بوجه الخلافات السياسية المؤدية إلى الاستخفاف بالتوقيتات الدستورية. إن الوقت الحالي هو الأنسب، في ما مضى من أوقات، لمراجعة التشريعات التي صيغت في عجالة وفي أجواء مضطربة. تأجيل الوقوف على هفوات الدستور سيضع المتصدين للمشهد السياسي أمام وقفة طويلة أمام الشعب والتاريخ.
أخبار ذات صلة.
ترامب وغرينلاند
العربي الجديد
منذ دقيقة
المنصات الرقمية وإعادة تشكيل الدماغ
العربي الجديد
منذ 4 دقائق