"المياه السوداء" تروي محاصيل ريف دمشق
عربي
منذ يوم
مشاركة
تتّسع رقعة الحقول التي تُسقى بمياه الصرف الصحي في مناطق ريف دمشق، ويؤكد مزارعون أنهم يستخدمونها باعتبارها خياراً اضطرارياً لكنها فعلياً خطر مباشر يهدّد صحة السكان وسلامة الغذاء. في حين تتحدث الجهات الحكومية السورية عن خطط لتعزيز الإنتاج الزراعي وتحقيق الأمن الغذائي، وسط جفاف غير مسبوق وارتفاع حاد في تكاليف الري، باتت "المياه السوداء" مصدراً بديلاً لري محاصيل تدخل مباشرة في سلسلة الاستهلاك اليومي على امتداد مساحات زراعية تحيط بالعاصمة دمشق، رغم ما تحمّله من ملوثات جرثومية وكيميائية تنتقل من التربة إليها وبعدها إلى موائد المستهلكين. ويؤكد مدير زراعة دمشق وريفها زيد أبو عساف، لـ"العربي الجديد"، أنّ "ضعف الرقابة على الأسواق وصعوبة تتبع مصادر المنتجات يزيدان احتمال تسرّب هذه المحاصيل إلى التداول التجاري من دون القدرة على ضبطها. ونظمت المديرية منذ بداية العام الماضي نحو 77 ضبطاً في حق مزارعين استخدموا مياه الصرف الصحي غير المعالجة في ري نحو 336 دونماً من الأراضي الزراعية في دمشق وريفها، والمخالفات شملت محاصيل رعوية وحبوباً وخضاراً تدخل في السلة الغذائية اليومية، من بينها القمح والشعير الرعوي والفاصولياء، إضافة إلى الذرة وورقيات وخضار مثل الخس والبقدونس والنعنع والسلق والسبانخ والباذنجان والكوسا". يضيف أبو عساف: "تعتمد المديرية خطة مزدوجة تجمع بين الرقابة والتوعية عبر تنظيم حملات لإرشاد الفلاحين في شأن مخاطر استخدام مياه الصرف الصحي وأضرارها الصحية والبيئية، وأيضاً جولات ميدانية تنفذها لجان فنية لمتابعة عمليات الري والتأكد من سلامة مصادر المياه، وتُعالج المخالفات فوراً من خلال فلاحة الأراضي التي رُويت بمياه ملوثة وإتلاف المحاصيل في مواقعها وتنظيم محاضر ضبط وإحالتها إلى الجهات القضائية المختصة، بالتعاون مع الجمعيات الفلاحية". ويؤكد مزارعون في ريف دمشق أن هذه الممارسات ليست جديدة، وتعود إلى تسعينيّات القرن الماضي في مناطق مثل صحنايا والقطيفة وخربة الورد، لكنها انتشرت مجدّداً في شكل أوسع خلال السنوات الأخيرة مع تراجع مصادر المياه النظيفة وخروج عدد كبير من الآبار عن الخدمة بسبب الجفاف. ويقول محمد عبد الرحمن، وهو مزارع من الغوطة الشرقية، لـ"العربي الجديد": "تتطلب إعادة تأهيل بئر واحدة كلفة تفوق قدرة معظم الفلاحين في ظل ارتفاع أسعار المحروقات والطاقة، ما يدفع بعضهم إلى استخدام مياه الصرف رغم أنهم يدركون مخاطرها الكبيرة". وتحذر المختصة في الصحة العامة حسناء اليونس، في حديثها لـ"العربي الجديد"، من أن استخدام مياه الصرف الصحي غير المعالجة في الري يجلب مخاطر صحية عالية، لأنها تحتوي على ملوثات عضوية وكيميائية وبكتيريا وطفيليات قد تنتقل عبر التربة إلى المزروعات ثم إلى الإنسان"، وتشير إلى أن "استهلاك منتجات ملوثة من هذا النوع يرفع احتمالات الإصابة بأمراض معوية حادة والتهاب الكبد ألف، خصوصاً في ظل ضعف الرقابة على مصادر الغذاء وتراجع شروط السلامة الصحية". ورغم تأكيد الجهات الحكومية أنها تتعامل بحزم مع المخالفات، يرى خبراء زراعيون أن المعالجة لا يمكن أن تقتصر على تنظيم محاضر ضبط وإتلاف المحاصيل، بل تتطلب حلولاً جذرية لأزمة المياه في ريف دمشق عبر إعادة تأهيل محطات الصرف الصحي واستخدام المياه المعالجة في الري الآمن وفق ضوابط فنية واضحة، إضافة إلى دعم مشاريع حفر الآبار الجماعية وتأمين مصادر طاقة أقل كلفة لتشغيلها. كما يشدد هؤلاء على أهمية الإسراع في تنفيذ خطط إعادة تأهيل محطات معالجة قديمة وإنشاء أخرى جديدة في دمشق وريفها بهدف تقليل الاعتماد على مصادر ملوثة تهدد التربة والمياه الجوفية على المدى الطويل، لكن وتيرة هذه المشاريع لا تزال بطيئة مقارنة باتساع رقعة الأراضي المتضرّرة. وفي ظل هذا الواقع، لم تعد ظاهرة الري بالمياه الآسنة مجرد مخالفة زراعية محدودة، بل أزمة بيئية وصحية مركبة تمسّ سلامة الغذاء واستدامة الزراعة في محيط العاصمة، وتضع المستهلك أمام خطر غير مرئي يصعب كشفه قبل أن يصل إلى المائدة. وفي حديث سابق لـ"العربي الجديد" رأى الخبير في إدارة الموارد المائية نادر السطوف، أن "معالجة مياه الصرف الصحي لم تعد خياراً تقنياً فحسب، بل ضرورة ملحة في ظلّ التغيّر المناخي وتراجع الموارد المائية. وتحويل المياه الملوّثة إلى مورد صالح للري يسهم في خفض التلوث، ويؤمّن مورداً ثابتاً للمزارعين، ويقلل الاعتماد على المياه الجوفية التي تتعرض لضغط كبير. وإنشاء محطات لمعالجة مياه الصرف الصحي يمكن أن تشكل نموذجاً يحتذى في مناطق أخرى شرط ضمان التشغيل المستدام والمتابعة الفنية الدورية، ودعم المجتمعات المحلية لتعزيز الإفادة من المياه المعالجة".

أخبار ذات صلة.

( نوافذ يمنية) محرك بحث إخباري لا يتحمل أي مسؤولية قانونية عن المواد المنشورة فيه لأنها لا تعبر عن رأي الموقع..

جميع الحقوق محفوظة 2026 © نوافذ يمنية