عربي
اتضح أن تصريحات الرئيس الأميركي دونالد ترامب في مطلع الاحتجاجات الإيرانية، والتي تضمنت ادعاء دعم المحتجين وتهديده بشن هجوم عسكري في حال قتلهم، لم تكن سوى دعوة ضمنية للقتل وإسالة الدماء، لا دعوة لصونها.
فبعد مقتل الآلاف في ليلتين دمويتين (الثامن والتاسع) من الشهر الحالي، يلوح ترامب وكأنه يتراجع خطوةً إلى الوراء، محولاً تركيزه إلى ملفات أخرى، مثل غرينلاند ومجلس السلام لغزة. لكن هل تراجعت أميركا فعلاً؟ الحقيقة أن انتهاء الاحتجاجات في إيران بسرعة قصوى بعد هاتين الليلتين كان له أثره في مراجعة ترامب لحساباته في ما يخص موعد شن هجمات جديدة على إيران. فالمخطط الأميركي يبدو أنه كان يرتكز على التدخل العسكري بالتوازي مع وجود احتجاجات واسعة النطاق واستمرارها، بما يخلق ظروفاً داخلية تضمن نجاح أهداف الهجمات.
أما النظر من زاوية أوسع، المشفوع بالتقدير العام للوضع الإقليمي، بعيداً عن تأثير عامل الاحتجاجات أو الذرائع المتهيئة للتدخل الخارجي، فيؤكد أن الجمر تحت الرماد، لأن الوضع مع إيران وباقي الجبهات المشتعلة خلال العامين الأخيرين من غزة إلى لبنان واليمن غير محسوم. وعلى هذا الأساس، يمكن القول إن جولة جديدة من الحرب على إيران تبدو حتمية، والحديث يدور حالياً عن توقيتها لا عن وقوعها. فأميركا وإسرائيل، منذ نهاية الجولة الأولى في يونيو/حزيران الماضي، وهما في حالة انتظار لبدء الجولة الثانية. ويبدو أن التوقيت مرهون إلى حد كبير بتبلور ظروف أمنية تحقق الأهداف المرجوة من الجولة الثانية، والتي من المنظور الاستراتيجي، ستنطلق على الأرجح من عملية اغتيال كبرى.
وحسبما يتضح من الوضع، فإن القوات المسلحة الإيرانية في حالة تأهب قصوى منذ فترة. كما تم اتخاذ تدابير أمنية صارمة لمنع تكرار سيناريوهات الاغتيال التي شهدتها حرب يونيو الماضي. على أي حال، تدلّ المؤشرات على أن الجولة الثانية من الحرب ستبدأ، والسؤال المطروح حالياً يدور حول توقيتها وشكلها. المؤكد أن ترامب لا يسعى إلى خوض حرب طويلة الأمد ومكلفة، بل يبحث عن ضربات مركزة وقوية ومدروسة بعناية لتحقيق إنجازات كبيرة وسريعة دون أن يخرج الوضع عن السيطرة وتنزلق المنطقة إلى حرب شاملة.
والسؤال الآخر الذي يطرح نفسه أنه لماذا تلتزم إسرائيل الصمت هذه المرة، وتحاول النأي بنفسها دون تكرار تهديداتها السابقة، بينما يتولى ترامب قيادة الميدان ضد طهران؟ يبدو هذا الأمر غريباً. هل هذا السلوك الإسرائيلي مدفوع فعلاً بقلق من تجربة تعرضها لكم هائل من الصواريخ بشكل أكبر مما حصل في حرب يونيو التي انتهت بسرعة بعد 12 يوماً؟ أم أن النأي بالنفس حالياً وتقديم أميركا إلى الواجهة جاء بدوافع أخرى؟
