لم يعد تعثّر المشاريع الصغيرة في مناطق سيطرة جماعة الحوثي مرتبطًا بسوء الإدارة أو ضعف السوق، بل بات نتيجة مباشرة لبيئة اقتصادية عدائية، تقوم على الجباية القسرية، وتعدّد مراكز التحصيل، وغياب أي حماية قانونية.
في مدن مثل صنعاء والحديدة وإب، تتشابه الحكايات رغم اختلاف أصحابها: مشروع يبدأ بحلم الاستقرار، ثم يتحوّل تدريجيًا إلى عبء، قبل أن ينتهي بإغلاق صامت أو هجرة قسرية.
ديون تتراكم
حين أغلق سليم ناجي مطعمه الشعبي في باب اليمن، لم يُغلق باب مشروع فحسب، بل فتح بابًا واسعًا للديون. رأس المال الذي جمعه من سنوات اغتراب تبخّر، وبقيت أسرته تواجه الإيجار ومتطلبات المعيشة بلا أي مصدر دخل.
يقول ناجي إنه لم يعد يفكّر في إطلاق مشروع جديد، بل في كيفية سداد ما عليه، وكيف يشرح لأطفاله سبب توقّف العمل فجأة.
خسارته التي تجاوزت الألف الدولارات لم تكن مجرد رقم في دفاتر الحسابات، بل سنوات عمر، وعودة مؤجّلة إلى الغربة، وإحساس قاسٍ بالفشل القسري.
ويؤكد أن الألم الحقيقي لم يكن في المال، بل في شعوره بأن جهده سُرق تحت مسمّيات رسمية، من دون حق في الاعتراض أو الحماية.
نعمل بلا أجر
غالب سعيد، الذي اضطر هو الآخر لإغلاق مطعمه، يقول لموقع الصحوة نت إن أكثر ما كسره نفسيًا هو عجزه عن تلبية احتياجات أسرته رغم عمله اليومي المتواصل.
الدخل الشهري، بحسب حديثه، كان يُستنزف بالكامل في الكهرباء والمياه والرسوم المفروضة، بينما يعود إلى منزله غير قادر على توفير أبسط الاحتياجات. ويصف حاله بأنه أصبح "عاملًا بلا أجر"، يعمل لصالح جهات لا يرى منها سوى المطالب.
الأطفال أول من يدفع الثمن
مع إغلاق المشاريع، تتقلّص خيارات الأسر. بعض التجّار اضطروا لنقل أبنائهم من مدارس خاصة إلى حكومية، وآخرون أوقفوا تعليم بناتهم مؤقتًا، فيما لجأت أسر كثيرة إلى تقليص الوجبات اليومية أو الاستدانة من الأقارب.
الفشل الاقتصادي هنا لا يصيب التاجر وحده، بل يمتد إلى الأسرة بأكملها، ويترك أثره على جيل ينشأ في ظل القلق وعدم الاستقرار.
حتى النساء اللواتي دخلن سوق العمل عبر مشاريع صغيرة لم يكنّ بمنأى عن هذا الواقع. صاحبة مشروع منزلي في صنعاء تقول إن الجبايات المتكررة والتهديد بالإغلاق حوّلا مشروعها من مساحة أمان إلى مصدر خوف دائم. خسرت دخلها الوحيد، وعادت للاعتماد على الآخرين بعد تجربة قصيرة من الاستقلال.
لا تصدر قرارات رسمية بإغلاق المحال، لكن الواقع يفرض ذلك تدريجيًا. يُنهك التاجر بسلسلة لا تنتهي من المطالب والغرامات والزيارات المفاجئة، حتى يصل إلى قناعة بأن الإغلاق أقل كلفة من الاستمرار.
هذا "الإغلاق الصامت" يخلّف وراءه محال مغلقة وأسرًا بلا دخل، من دون أن يُسجَّل ذلك كأزمة اقتصادية رسمية أو فشل معلن.
جبايات بلا سقف
يؤكد تجار وأصحاب محال أن الصدمة الأولى لا تأتي من السوق، بل من المؤسسات المفترض أن تنظّم النشاط التجاري. فبمجرد افتتاح أي مشروع، تبدأ سلسلة لا تنتهي من المطالب المالية، تحت مسميات الضرائب والزكاة وصحة البيئة والأشغال وصندوق النظافة والدفاع المدني والصناعة والتجارة والمواصفات والمقاييس، من دون جدول واضح أو سقف قانوني.
محمود، صاحب مشروع صغير، يقول لموقع الصحوة نت إن مشروعه لم يُمنح فرصة حقيقية للحياة. فخلال أشهر قليلة، تضاعفت التكاليف التشغيلية أكثر من مرتين، ليس بسبب ارتفاع أسعار المواد الخام، بل نتيجة رسوم متكررة تُفرض بشكل مفاجئ، بعضها شهري وبعضها موسمي، وأخرى مرتبطة بما يُسمّى "حملات ميدانية".
ويضيف أن الدخل بالكاد كان يغطي فواتير الكهرباء والمياه، التي ارتفعت بأكثر من 200% خلال السنوات الأخيرة، وفق تقديرات تجّار محليين.
استنزاف بطيء
تاجرة مواد غذائية في صنعاء تصف تجربتها بأنها "استنزاف بطيء". تقول إن مشروعها لم يُغلق بقرار رسمي، بل مات تدريجيًا. كل جهة كانت تأتي لتحصيل نصيبها، بينما يتناقص الزبائن بسبب تدهور القدرة الشرائية وانقطاع المرتبات. وتؤكد أن غياب أي جهة يمكن اللجوء إليها للاعتراض جعل الاستمرار نوعًا من المقامرة اليومية.
تقارير اقتصادية محلية ودولية تحذّر من أن تآكل المشاريع الصغيرة يعني انهيار الطبقة الوسطى، وارتفاع معدلات الفقر، وزيادة الاعتماد على المساعدات. ويرى خبراء أن استمرار هذه السياسات لا يدمّر السوق فحسب، بل يزرع الإحباط واليأس في نفوس يمنيين حاولوا الاعتماد على أنفسهم بدل انتظار الإغاثة.
القصص تتشابه، لكن الألم واحد. مشروع يبدأ بحلم كريم وينتهي بصمت ثقيل. لا محاكم تنصف، ولا قوانين تحمي، ولا صوت للتاجر الصغير. في هذا الواقع، يصبح السعي للرزق مخاطرة، وتتحوّل المبادرة الفردية إلى عبء إنساني واقتصادي في آن واحد.
أخبار ذات صلة.