عربي
تشهد الأوساط القانونية في مصر حالة من النقاش والغضب إزاء أزمة استقلال القضاء، على خلفية معلومات متداولة عن تدخلات محتملة من السلطة التنفيذية في شؤون التعيين والتدريب والترقي داخل المنظومة القضائية. وقد أعادت هذه التطورات إلى الواجهة نقاشًا قديمًا حول حدود العلاقة بين السلطات، ودور المحامين ومنظمات المجتمع القانوني في الدفاع عن استقلال العدالة باعتباره ضمانة لحقوق المواطنين، وليس مطلبًا فئويًا خاصًا بالقضاة.
في هذا السياق، أصدر المركز العربي لاستقلال القضاء والمحاماة، عبر مؤسسة دعم العدالة التابعة له، ورقة موقف بعنوان "التدخل في شؤون العدالة جريمة لا تسقط بالتقادم"، عبّر فيها عن قلقه الشديد إزاء الأنباء التي تحدثت عن صدور توجيهات لإلغاء مكتب تعيينات القضاة التابع لمكتب النائب العام، وإسناد مهام تدريب وتعيين معاوني النيابة الجدد إلى الأكاديمية العسكرية، إلى جانب إسناد ملف الترقيات القضائية إلى جهات خارج البنية القضائية. وأشار المركز إلى أن خطورة هذه الأنباء تتضاعف، بحسب نص الورقة، في ظل عدم صدور أي نفي رسمي من الجهات المختصة حتى تاريخ إصدار موقفه.
وأكدت مؤسسة دعم العدالة بالمركز العربي أن القضاة، وفقًا لمبادئ الأمم المتحدة الأساسية بشأن استقلال السلطة القضائية، هم الجهة المخولة باتخاذ القرار الأخير في ما يتعلق بحياة المواطنين وحرياتهم وحقوقهم وواجباتهم وممتلكاتهم، وهو ما يجعل استقلال القضاء شأنًا عامًا يمس المجتمع ككل، وليس مسألة تتعلق بحقوق القضاة الوظيفية فقط. ونسبت المؤسسة هذا التوصيف إلى نصوص دولية معتمدة، أبرزها مبادئ الأمم المتحدة بشأن استقلال السلطة القضائية الصادرة عن الجمعية العامة للأمم المتحدة في عام 1985.
وشدد المركز العربي على أن أي محاولة لإخضاع شؤون تدريب القضاة أو تعيينهم أو ترقيتهم لمؤسسات تتبع السلطة التنفيذية تمثل، بحسب تعبيره، هجومًا خطيرًا على العدالة، وانتهاكًا مباشرًا لمبادئ الأمم المتحدة الأساسية، ولا سيما المادة الرابعة التي تحظر التدخلات غير اللائقة أو غير المبررة في الإجراءات القضائية، والمادة التاسعة التي تكفل حق القضاة في تكوين روابط مهنية تمثل مصالحهم وتساهم في تدريبهم وحماية استقلالهم. كما أشار المركز إلى تعارض هذه الممارسات مع إعلان بيروت للعدالة، وإعلان القاهرة لاستقلال القضاء في المنطقة العربية الصادر عن مؤتمر العدالة العربي الثاني في عام 2003.
وربط المركز العربي هذه التطورات بما وصفه بالمسار التصاعدي لانتهاك مبدأ استقلال القضاء في مصر خلال السنوات الماضية، معتبرًا أن ما يجري يمثل امتدادًا لممارسات سابقة، من بينها قبول أعضاء في المجالس القضائية العليا تلقي دورات تدريبية داخل الأكاديمية العسكرية التابعة للسلطة التنفيذية. وأكدت المؤسسة، في ورقتها المؤرخة بتاريخ 22 يناير/ كانون الثاني 2026، أن هذه الممارسات يجب أن تتوقف فورًا ودون قيد أو شرط، حفاظًا على استقلال السلطة القضائية، وضمانًا لحقوق المواطنين في الإنصاف والعدالة.
وفي حين يركز المركز العربي لاستقلال القضاء والمحاماة على البعد الدستوري والدولي للأزمة، ويصف التدخل في شؤون العدالة بأنه جريمة لا تسقط بالتقادم استنادًا إلى المادة 184 من الدستور المصري، تتوزع مواقف المحامين بين من يربط الأزمة بسياق تشريعي ممتد، ومن يعيدها إلى غياب الالتزام العملي بالمعايير الدولية التي التزمت بها الدولة المصرية.
ففي موازاة موقف المركز، عكست آراء عدد من المحامين والحقوقيين حجم التباين داخل الوسط القانوني. فقد كتب المحامي الحقوقي ناصر أمين، وهو المدير التنفيذي السابق للمركز العربي لاستقلال القضاء والمحاماة، أن هناك فهمًا شائعًا، وصفه بالخطأ، يعتبر المطالبة باستقلال القضاء مطلبًا خاصًا بالقضاة أو شأنًا قضائيًا بحتًا. وأرجع أمين هذا الالتباس إلى غياب الاطلاع الكافي على المواثيق الدولية ذات الصلة، مشيرًا إلى أن قواعد استقلال القضاء في القانون الدولي العرفي والرسمي وُضعت أساسًا لحماية الناس من المحاكمات غير العادلة، باعتبار أن القضاة يملكون الكلمة الأخيرة في تقرير مصائر الأفراد وحقوقهم وحرياتهم وممتلكاتهم.
ونسب أمين هذا الفهم إلى مبادئ الأمم المتحدة الأساسية بشأن استقلال السلطة القضائية الصادرة في عام 1985، وإلى إعلان القاهرة لاستقلال القضاء في المنطقة العربية الصادر في عام 2003، موضحًا أن المطالبة باستقلال القضاة تعني في جوهرها المطالبة بحماية الحقوق والحريات الأساسية للأفراد من تعسف السلطة التنفيذية. واعتبر أمين أن اختزال الأزمة في كونها خلافًا بين فئات من أصحاب المهن القانونية أو تصفية حسابات مهنية يخرج النقاش عن مساره الحقوقي.
واستعاد أمين تجربة عام 2006، حين كان ضمن فريق الدفاع عن المستشارين محمود مكي وهشام البسطاويسي، مشيرًا إلى أن استراتيجية الدفاع في تلك القضية لم تركز على المطالبة ببراءتهما الشخصية، بل على الدفاع عن مبدأ استقلال القضاء بوصفه الضمانة الأساسية لكافة الحقوق والحريات، وأكد أن هذا المبدأ، بحسب وصفه، يسمو فوق الأشخاص والمحاكم، ويُطلب تحقيقه للأجيال القادمة، وليس دفاعًا عن قضاة بعينهم، سواء أحسنوا أو أساءوا استخدام سلطاتهم.
وفي السياق ذاته، أرجع أمين جانبًا من التدهور في أوضاع القضاء إلى الفشل في تعديل قانون السلطة القضائية، وهو مطلب قال إنه مطروح منذ أكثر من ثلاثين عامًا، معتبرًا أن غياب هذا التعديل أضعف قدرة القضاة على مواجهة تعسف السلطة التنفيذية، وفتح الباب لانتهاك حقوق المواطنين قبل حقوق القضاة أنفسهم.
من جانبه، أعاد المحامي الحقوقي طارق خاطر التذكير بالإطار الدولي الحاكم لمبدأ استقلال السلطة القضائية، مستندًا إلى ميثاق الأمم المتحدة، والإعلان العالمي لحقوق الإنسان، والعهدين الدوليين الخاصين بالحقوق المدنية والسياسية، والحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية. وأشار خاطر إلى أن هذه المواثيق تنص على المساواة أمام القانون، وافتراض البراءة، والحق في محاكمة عادلة وعلنية أمام محكمة مختصة مستقلة ونزيهة، مشكلة وفقًا للقانون، مع ضمان الفصل في القضايا دون تأخير غير مبرر.
وسرد خاطر، في منشور له على "فيسبوك"، المبادئ الأساسية لاستقلال السلطة القضائية كما أقرتها الأمم المتحدة، ومنها التزام الدولة بكفالة هذا الاستقلال دستوريًا وتشريعيًا، وواجب جميع المؤسسات احترامه، وحظر أي تدخل غير مبرر في الإجراءات القضائية، وضمان حق الأفراد في المثول أمام قاضيهم الطبيعي. كما تناول المبادئ المتعلقة بحرية القضاة في التعبير وتكوين الجمعيات المهنية، ومعايير اختيارهم وتدريبهم وترقيتهم، وضمانات الحصانة المهنية، وآليات التأديب والعزل وفق معايير عادلة وقابلة للمراجعة.
المحامي الحقوقي أحمد قناوي أبدى تخوفه الشديد من موقف المحامين مع القضاة في هذه الأزمة، وكتب عبر حسابه الشخصي على موقع التواصل الاجتماعي "فيسبوك": "مرعب ما يحدث، كتبت منشور تضامن مع مطالبات نادي القضاة، وإذ بالتعليقات 90 تعليقًا، منها 89 تعليقًا ضد ما كتبته. الفكرة هي حد الانقسام الضارب في المجتمع".
وانتقد قناوي موقف نقابة المحامين والصحافيين، وكتب: "نقابة المحامين ذاتها فرطت في القضية حين صدر قانون بتحويل محكمة النقض إلى محكمة موضوع، ولم تتحدث، أو صمتت عن محامين محبوسين في قضايا رأي، ولم تتحدث. بخلاف موقف نقابة الصحافيين.. فعلاً الأمر مرعب، مع قناعتي أن استقلال القضاء يحتاج إلى شعب يحمي ويدافع عن هذا الاستقلال". وحتى موعد نشر هذه السطور، لم تعلن أي من نقابتي المحامين ولا الصحافيين موقفها مما يدور في نادي القضاة، الذي يبعد أمتارًا معدودة عن أبوابهما، ويتقاطع ماضيه وحاضره ومستقبله مع أعضائهما، بل ومع كل أفراد الشعب المحمي بالعدالة واستقلال القضاء.

أخبار ذات صلة.
"قسد"... سيرة أداة
العربي الجديد
منذ 48 دقيقة