عربي
بدأت سلطات العاصمة المصرية خطة ممنهجة للدفع بمركبات "الكيوت" المرخصة بديلاً لانتشار مركبات "التوك توك"، والتي بدأت مطاردة سائقيها.
في أحد شوارع مدينة السادس من أكتوبر غرب العاصمة المصرية القاهرة، ينتظر هاشم السيد مركبة "توك توك" تنقله إلى أقرب موقف للحافلات، وعندما طال انتظاره، اضطر إلى السير على قدميه لمسافة كيلو مترين، ليكتشف الهروب الجماعي لمركبات التوك توك الناتج عن حملة تشنها الإدارات المحلية وشرطة المرور.
وتسعى سلطات محافظة القاهرة وجارتها الجيزة إلى فرض سيارة الأجرة الصغيرة "كيوت" لنقل المواطنين بديلاً لـ"التوك توك" المنتشر في الشوارع كالجراد، في خطوة للتعامل مع أزمة عميقة بمنظومة النقل الداخلي التي فقدت بوصلتها منذ سنوات.
وتعتبر الحكومة المصرية مبادرة استبدال التوك توك بالسيارة "كيوت" إحدى أدوات الضبط الإداري للفوضى المرورية، بينما يعدها خبراء محاولة إصلاح من على السطح. ويبرر محافظ القاهرة، إبراهيم صابر، القرار بأنه جاء استجابة لاستغاثة مواطنين من خطورة وعشوائية التوك توك التي لا تليق بحجم العاصمة. ويقود المحافظ جولات أسبوعية لملاحقة التوك توك من دون القدرة على الدخول إلى المناطق الشعبية الأكثر ازدحاماً البعيدة عن وسائل المواصلات، خاصة التي يخشى سائقو سيارات الأجرة دخولها لاعتبارات فنية أو أمنية، حيث تنتشر عصابات إجرامية، تعتمد على التوك توك في تحركاتها.
ويؤكد المحافظ أن قرار إلغاء التوك توك أمر لا رجعة فيه، مشيراً إلى تكليف نوابه وشرطة المرور بملاحقة تلك المركبات، معتبراً إياها إحدى أدوات التلوث السمعي، وكابوساً يجب أن يتحرر المواطنون من المصائب التي ترتكب من خلاله".
وبدأ تشغيل "الكيوت" في 7 أحياء بالعاصمة، مع منع سير التوك توك في حي جزيرة المنيل، وحظره في الشوارع الرئيسية لحين استبداله تدريجياً.
بدوره، أنشأ محافظ الجيزة، عادل النجار، إدارة لاستبدال التوك توك الحاصل على ترخيص بسيارات "كيوت" بعد دفع الفارق المالي، والبالغ نحو 200 ألف جنيه (4200 دولار)، واصفاً إياها بأنها "بديل حضاري قادر على الحركة داخل الشوارع الضيقة، والعمل بالغاز والبنزين، مع تعرفة ولون موحد". وتجري عملية الاستبدال ضمن برامج تمويل ميسرة بالتعاون مع بنوك حكومية وشركات تمويل، واعترف السكرتير العام المساعد للمحافظة، محمد مرعي، بأن "المركبة منتجة محلياً داخل مصانع وزارة الإنتاج الحربي"، ضمن مشروع إحلال التوك توك الذي توقف استيراده وقطع غياره منذ عام 2022.
في المقابل، يؤكد خبير السيارات، مصطفى الدسوقي، أن محرك "كيوت" الصغير سعة 217 سي سي بقوة 13 حصاناً، واحتواءها على كابينة تتسع لثلاثة ركاب فقط، يجعلها غير قادرة على مواجهة الازدحام الكبير بالأحياء الشعبية، والتي تعاني شوارعها تدهور الطرق، والعوائق والمطبات، مبدياً استغرابه من لجوء الدولة إلى وقف استيراد التوك توك. ويبيّن الدسوقي لـ"العربي الجديد"، أن "قرار منع إنتاج أو استيراد التوك توك أدى إلى ارتفاع أسعاره إلى أربعة أضعاف، ورغم المنع، ظلت الأسواق مليئة بقطع الغيار التي تدخل إلى البلاد بطرق ملتوية، بينما لم تلتزم الحكومة بسعر سيارة (كيوت) المعلن في نهاية 2023، والبالغ 55 ألف جنيه (1150 دولار)، لذا لم يقبل الناس على شرائها، فأرادت الحكومة فرض منتجها بأوامر إدارية لا تنهي الفوضى المرورية".
ويرى سائقون أن المبادرة الحكومية محكومة بالفشل، إذ تشترط استبدال التوك توك الحاصل على الترخيص مع التخلص منه "تكهينه"، لتصل تكلفة اقتناء "الكيوت" إلى نحو 400 ألف جنيه، ما يوازي كلفة شراء سيارة عادية قابلة للتشغيل سيارةَ أجرة، أو ضمن شركات النقل الذكي التي تخدم الشرائح مرتفعة الدخل.
ويقول سائق التوك توك، أحمد إدريس، إنه أراد المشاركة بالمبادرة، ففوجئ بمطالبته بتسليم الرخصة، والتخلص من التوك توك، وتحديد أجرة موحدة 15 جنيهاً، وفرض إجراءات تمويلية معقدة تحول دون الحصول على التمويل بسهولة. ويؤكد أن "التوك توك أكثر مرونة في الشوارع الضيقة، مع قدرته على حمل عدد أكبر من الركاب، بينما تحتاج الكيوت إلى شوارع مرصوفة ونظيفة، وهي غير متوافرة في أغلب الأحياء، وغائبة تماماً في القرى".
وبدأت الحكومة المصرية محاولات التعامل مع أزمة المرور قبل عدة عقود من خلال مشروعات لإنتاج السيارة "فيات 1100" ثم "فيات 1300"، عبر مصنع "النصر لصناعة السيارات" الحكومي، وكانت السيارة الشعبية تباع بكلفة منخفضة لتشجيع الناس على الشراء لتخفيف الضغط عن المواصلات العامة، وبعد سنوات تحولت تلك السيارة إلى وسيلة نقل شعبية، قبل أن تتراجع الحكومة عن دورها في تنظيم النقل داخل المدن، وتترك المسافات تتسع بين المساكن وخدمات النقل، ليظهر النقل غير الرسمي.
وبعد سنوات من قرار محافظ القاهرة في عام 1996، بمنع دخول "عربات الكارو" التي تجرها الحمير والبغال إلى العاصمة، زحف التوك توك إلى الأحياء و المناطق الحضرية، مستغلاً ملاحقة الحكومة للسيارات المفتوحة التي كانت تستخدم في النقل الداخلي، والتي أدت إلى كوارث مرورية راح ضحيتها الآلاف.
ومع تخلي وزارتي النقل والإدارة المحلية عن توسيع شبكة الوسائل النقل العام الداخلية ضمن برنامج خصخصة القطاع العام، انتشر التوك توك و"التروسيكل" بوصفها وسائل نقل في المناطق الريفية والقريبة من المدن، ثم دخلت لاحقاً إلى حافَات المدن وشوارعها الضيقة، قبل أن تقتحم القاهرة وعواصم المحافظات والمدن الجديدة ومختلف المناطق الخالية من وسائل النقل العام.
وتكشف تقديرات غير حكومية عن وجود نحو 5 ملايين توك توك، إلى جانب نحو 300 ألف سيارة أجرة مرخصة في مصر بنهاية 2024، بينما تؤكد دراسات مشتركة بين جامعة القاهرة ومجلس الوزراء وبرنامج المعونة اليابانية "جايكا"، أن الريف المصري أصبح بلا نقل جماعي، واختفاء شبكة النقل بالمدن الجديدة، وأن ذلك يدفع المصريين إلى استخدام التوك توك وسيارات النصف نقل والدراجات النارية لسد تلك الفجوة الناتجة عن غياب دور الدولة.
وينظر خبراء في الإدارة المحلية إلى التوك توك بوصفها وسيلة مواصلات شعبية تحقق دخلاً لنحو 5 ملايين سائق، بمتوسط 300 جنيه يومياً، داعين إلى تنظيم عمله بدلاً من إلغائه، ومؤكدين أن تقنين أوضاعه هو الحل الأمثل لضمان تشغيل سائقين محترفين يؤدون حقوق الدولة بدلاً من الملاحقات القائمة.

أخبار ذات صلة.
"قسد"... سيرة أداة
العربي الجديد
منذ 33 دقيقة