عربي
لم يكن اتفاق العاشر من آذار/ مارس 2025 بين دمشق و"قوات سوريا الديمقراطية" (قسد) مجرد تفاهم عابر لوقف إطلاق النار أو ترتيب أمني مؤقت، بل شكّل لحظة سياسية مفصلية كان يمكن أن تعيد رسم موقع قسد داخل الدولة السورية على أسس جديدة، بوصفها شريكًا فعليًا في السلطة لا مجرد قوة أمر واقع فرضتها ظروف الحرب. غير أن ما تلا هذا الاتفاق كشف عن أن الفرصة التاريخية التي أتاحها لم تُستثمر، بل تحولت خلال أقل من عام إلى خسارة استراتيجية لقسد، انتهت باتفاق يناير/ كانون الثاني 2026 بشروط أقل بكثير مما كان ممكنًا.
في جوهره، منح اتفاق مارس/ آذار 2025 قسد هامشًا واسعًا من الاستقلالية السياسية والعسكرية والإدارية ضمن مرحلة انتقالية مؤقتة ذات طابع وظيفي، تمتد من لحظة توقيعه حتى استكمال دمج المؤسسات وتوحيد الإدارة والموارد. وكان من المفترض خلال هذه المرحلة أن تُواصل قسد إدارة مناطق شمال وشرق سورية بشكل شبه مستقل، مؤقتًا، إلى حين تنفيذ بنود الاتفاق، مع إشراف محدود على بعض الموارد الاقتصادية والمعابر والحقول النفطية، إضافة إلى إدارة الأمن الداخلي والمخيمات والمعتقلات قبل تسليمها تدريجيًا للسلطة المركزية. وعلى المستوى السياسي والرمزي، أتاح الاتفاق لقسد حضورًا فعليًا في القرار المحلي والمركزي، ومنحها قدرة على التأثير في تسمية شخصيات محلية في مواقع حساسة، بما يعكس تصورًا لشراكة حقيقية في إدارة المرحلة الجديدة.
لكن قسد لم تتعامل مع الاتفاق بوصفه اتفاقًا تأسيسيًا ينبغي تثبيته سريعًا وتحويله إلى وقائع مؤسسية على الأرض، بل بوصفه مرحلة قابلة للمساومة والتحسين لاحقًا. هذا التقدير الخاطئ للحظة السياسية فتح الباب أمام دمشق لإعادة ترتيب موازين القوى تدريجيًا، واستثمار عامل الزمن لصالحها، وصولًا إلى فرض اتفاق يناير/ كانون الثاني 2026 بشروط أكثر مركزية وأقل مرونة تجاه قسد.
على المستوى العسكري، تحوّل الحديث عن دمج قوات قسد باعتبارها وحدات متكاملة إلى دمج أفراد فقط بعد فحص أمني، ما أفقدها وحدتها المؤسسية واستقلالية قيادتها، وحوّلها من فاعل عسكري منظم إلى كتلة أفراد موزعين داخل الجيش بلا ثقل سياسي مستقل. إداريًا، تراجعت صلاحيات الإدارة الذاتية، وأصبحت مؤسساتها خاضعة للإشراف المركزي، بعد أن كان الاتفاق يمنحها هامشًا واسعًا للإدارة المحلية. أما اقتصاديًا، فقد فقدت قسد السيطرة على الحقول النفطية والمعابر والإيرادات، وهي الأدوات التي كانت تشكل أساس استقلالها المالي وقدرتها على دعم مؤسساتها المدنية والأمنية.
غير أن الخسارة لم تكن مادية فقط، بل رمزية وسياسية أيضًا. فقد تراجع نفوذ قسد في تعيين المسؤولين المحليين وصياغة الهوية السياسية والإدارية للمناطق التي سيطرت عليها لسنوات، لتتحول من كيان شبه مستقل يمتلك مشروعًا سياسيًا خاصًا إلى شريك محدود الصلاحيات داخل دولة أعادت فرض مركزيتها تدريجيًا.
في هذا السياق، لا يمكن فصل ما جرى عن الدور الأميركي. فالولايات المتحدة لم تكن يومًا ضامنًا سياسيًا طويل الأمد لقسد، بل وفّرت لها دعمًا عسكريًا تكتيكيًا مرتبطًا حصريًا بمكافحة داعش. بعد اتفاق مارس/ آذار 2025، بدا واضحًا أن واشنطن اختارت الانسحاب من لعب دور الضامن السياسي، ومنحت قسد مهلة تقارب عشرة أشهر لتسوية وضعها مع دمشق دون تدخل مباشر لفرض تنفيذ الاتفاق أو حماية امتيازاتها. هذه المهلة لم تكن دعمًا بقدر ما كانت رسالة غير معلنة مفادها أن مستقبل قسد يجب أن يُحسم عبر التفاهم مع الدولة السورية، لا عبر الاتكاء على الحماية الأميركية.
لكن قسد، بدل أن تتعامل مع هذه الرسالة باعتبارها إنذارًا استراتيجيًا أخيرًا، تصرفت وكأن الوقت يعمل لصالحها، بينما كان في الواقع يعمل ضدها. هنا يتجلى جوهر الإشكالية: فقد بالغت في تقدير قدرتها على الاحتفاظ بالامتيازات دون تثبيتها مؤسسيًا وقانونيًا، وبالغت في تقدير استعداد الولايات المتحدة لحمايتها سياسيًا، كما وقعت في فخ التردد الداخلي بين خطابها الأيديولوجي القائم على الإدارة الذاتية اللامركزية، وإدراكها الواقعي بأنها لا تستطيع فرض هذا النموذج على دولة سورية أُعيد توحيدها سياسيًا.
من زاوية استراتيجية خالصة، كان على قسد أن تتعامل مع اتفاق العاشر من مارس/ آذار باعتباره اتفاقًا تأسيسيًا يجب تحويله بسرعة إلى حقائق ميدانية ومؤسسية. لو فعلت ذلك، ودفعت باتجاه تنفيذ فوري وحازم، وفرضت وجودها ضمن مؤسسات الدولة بوصفها كتلة متماسكة سياسية وعسكرية وإدارية، لكان من الصعب على دمشق التراجع لاحقًا دون كلفة سياسية كبيرة. لكنها اختارت الانتظار بحثًا عن شروط أفضل، فخسرت حتى الشروط الجيدة نسبيًا التي كانت متاحة.
حتى بعد توقيع اتفاق يناير/ كانون الثاني 2026، لم تكن المكاسب التي يمنحها الاتفاق لقسد مضمونة تلقائيًا، إذ تعتمد على التنفيذ الفعلي والالتزام الصارم ببنوده. أي مماطلة أو تردد من قسد في تطبيق الاتفاق قد يُفسَّر من قبل دمشق على أنه عدم التزام، ما يتيح لها تقييد الصلاحيات أو سحب بعض المكاسب تدريجيًا. وبذلك، تواجه قسد معضلة مزدوجة: فقدت جزءًا من امتيازاتها بين مارس/ آذار 2025 ويناير/ كانون الثاني 2026 بسبب المماطلة والتردد، وأي تأجيل في تنفيذ اتفاق يناير 2026 قد يعرضها لخطر خسارة المكاسب الجديدة أيضًا. وبشكل واضح، تُظهر هذه التجربة أن قسد أهدرت فرصة تاريخية لتعزيز موقعها السياسي والإداري داخل الدولة السورية، وأن أي تقصير في تثبيت المكاسب على الأرض لن يمنحها دومًا الفرصة لتعويض ما فاتها.
الخلاصة أن خسارة قسد لامتيازاتها بين مارس/ آذار 2025 ويناير/ كانون الثاني 2026 لم تكن نتيجة حتمية لتغير موازين القوى وحدها، بل كانت إلى حد كبير نتيجة خياراتها وسوء تقديرها لطبيعة الدور الأميركي وقصر نظرها في قراءة اللحظة السياسية. لقد راهنت على الزمن، بينما كان الزمن يعمل لصالح دمشق، فانتقلت من موقع شريك قوي محتمل في إعادة تشكيل الدولة السورية إلى موقع طرف محدود النفوذ داخل دولة استعادت مركزيتها تدريجيًا. وهكذا تحولت فرصة تاريخية إلى خسارة استراتيجية، لأن السياسة، كما أثبتت هذه التجربة، لا تكافئ من ينتظر طويلًا، بل من يحسن اقتناص اللحظة قبل أن تفلت من بين يديه.