عربي
باتت الخدمات القانونية الإلكترونية شائعة في الصين، ما ساهم في تغيير أساليب المحامين، وسط إجراءات صارمة ودعوات للحفاظ على جوهر المهنة وكفاءة العمل.
يرتفع في الصين عدد المحامين الذين ينقلون أعمالهم إلى الفضاء الرقمي عبر تحويل تطبيقات مثل "دويين" (النسخة المحلية لتطبيق إكس) إلى مكاتب قانونية. ومع تنامي الطلب على التوجيه القانوني السريع منخفض الكلفة، تزايد عدد المحامين الذين يتنافسون على استقطاب العملاء، وأصبح المحتوى القانوني أكثر إقبالاً على وسائل التواصل الاجتماعي، إذ يجذب مليارات المشاهدات في ظل تدفق مستمر للقضايا والنزاعات والاستفسارات.
وبالنسبة للعديد من المحامين، بات جمهورهم على الإنترنت يفوق بكثير عدد العملاء الذين يراجعون مكاتبهم. ومع ذلك، فإنّ صعود المؤثرين في المجال القانوني يُجبر القطاع على التكيّف، بدءاً من الشركات التي تضع قواعد لوسائل التواصل الاجتماعي، وصولاً إلى السلطات التي تُشدد الرقابة، إذ بات من الصعب تنظيم الخط الفاصل بين الخبرة والهواية، وممارسة المهنة والكسب المادي.
وتستقطب الوسوم القانونية التي تغطي في أغلب حالاتها النزاعات الأسرية والعمّالية، مليارات المشاهدات على تطبيق دويين. ويتناقض هذا الطلب المتزايد على الإنترنت مع وضع مهنة المحاماة بشكل عام. إذ تكشف إحصاءات حديثة أن عدد المحامين خلال العام الماضي ارتفع إلى 830 ألف محامٍ، بنمو يزيد على 10% سنوياً، بينما لم تتجاوز الزيادة في القضايا المعروضة أمام المحاكم 1% عن نفس الفترة.
يعكس هذا النهج الجديد تغييراً كبيراً بسوق الخدمات القانونية في الصين، والذي بلغ 300 مليار يوان (42.9 مليار دولار أميركي) في عام 2024. ومع ازدياد عدد الأشخاص الذين يسعون للحصول على المساعدة عبر الإنترنت، يجمع المحامون بين الخبرة واستخدام الوسائل الأكثر سلاسة للوصول إلى العملاء.
مع ذلك، تتفاوت جودة المحتوى القانوني بشكل كبير، وغالباً ما يختلط الأمر بين التوجيه القانوني والأداء التمثيلي، إذ تعتمد بعض مقاطع الفيديو المنتشرة عبر المنصات الصينية، على القصص العاطفية المُبالغ فيها لجذب المشاهدات، بما في ذلك محتوى لمّ شمل الأطفال المفقودين بذويهم والتداعيات القانونية لهذا الإجراء، وكذلك دعاوى القُصّر على آبائهم بسبب العنف الأسري، أو الإهمال الذي يفرضه نمط الحياة الصناعية.
وعقب انتشار العديد من هذه القصص، وثبوت دوافع ربحية، اتّخذت الجهات التنظيمية إجراءات أكثر صرامة، إذ اشترطت على المؤثرين الحصول على شهادات في مجال القانون، وتقديم ما يثبت عملهم في مكتب محاماة، بالإضافة إلى سيرة ذاتية موثقة، ووثائق التفتيش السنوي. وفي هذا الصدد، اشترطت بعض المنصات أن يكون المحامي قد زاول المهنة لمدة لا تقل عن خمس سنوات قبل فتح حساب خاص به لمخاطبة الجمهور.
في حديث خاص لـ"العربي الجديد"، يقول المستشار القانوني في مركز شنغهاي للنزاعات الأسرية، جيانغ بينغ، إنّ توجه المحامين باتجاه الفضاء الإلكتروني، هو استجابة طبيعية لمتطلبات العصر الحديث وسيطرة أنظمة المعلومات على قطاعات مهنية واسعة، وبالتالي من الطبيعي أن تصبح التكنولوجيا في عصرنا الحالي جزءاً لا يتجزأ من مهنة المحاماة، لتُعيد تشكيل ملامح العمل القانوني بصورة غير مسبوقة.
ويوضح أن هذا التحول يتجلى في أبعاد متعددة، تشمل تغييرات جذرية في أساليب عمل المحامين وأدواتهم، ونماذج الخدمات القانونية وشريحة العملاء، وكذلك النظام البيئي للمهنة القانونية. ومع ذلك، فإن المهم أن يبقى جوهر مهنة المحاماة مع تطور أنظمة المعلومات ثابتاً، بمعنى الحفاظ على القيم الأساسية، وأنماط التفكير والمعرفة والكفاءة المهنية، إضافة إلى التفاعل العاطفي والتواصل الإنساني والمسؤولية الاجتماعية. فإذا توفرت هذه العناصر، لن تكون هناك مشكلة في الإطار الذي ينظم هذه العملية المتسلسلة.
ويلفت جيانغ إلى أن دخول التكنولوجيا في مجال المحاماة أحدث تغيرات جذرية في أساليب العمل، مشيراً أنه في الماضي، كان المحامون يعتمدون على مواقع الويب أو بطاقات العمل أو الشبكات الشخصية. أما الآن، فقد حلت محلها المنصات الإلكترونية. وتمّت الاستعاضة عن المستندات الورقية والبحث اليدوي مثل مراجعة العقود، واستخراج القضايا، وصياغة المستندات القانونية، وتنظيم الأدلة، بأدوات تعتمد على الذكاء الاصطناعي الذي يولد المعرفة ويوفر المعلومة عبر الضغط على بضعة أزار خلال ثوان معدودة. ويختم بالقول: "في ظل هذا التكامل بين تقنية الذكاء الاصطناعي ومهنة المحاماة، صارت أساليب عمل المحامين وأدواتهم أكثر ذكاءً ونجاعة".
وتقول الباحثة الاجتماعية لان جو يان، لـ"العربي الجديد": "تماشياً مع تطور العصر وسعياً وراء المزيد من القضايا، اتجه المحامون الشباب إلى العالم الرقمي، إمّا من خلال إطلاق حملات تسويقية قصيرة باستخدام الفيديو، أو إنشاء قنواتهم الإلكترونية الخاصة لعرض خدماتهم، أو الانضمام إلى منصات خدمات قانونية أخرى، وذلك أملاً في استكشاف فرص تطوير جديدة. إلا أن هذا التوجه أفرز تحديات كبيرة، مثل كيفية تخطيط مواضيع المحتوى، وإدارة الفيديوهات القصيرة، وبناء حضور قوي على وسائل التواصل، والتكيف مع أساليب التواصل الإلكتروني الحديثة.
وترى أن كل ذلك يتطلب استثماراً كبيراً من الوقت والجهد والبحث والتعلم، إذ بات الحصول على القضايا بمثابة اختبار لقدرات المحامين التشغيلية عبر الإنترنت، ما يعني تحديات جمة، وفي نفس الوقت فرصاً لا حصر لها. وتتابع الباحثة الاجتماعية: "إنّ المحامين الشباب، باعتبارهم جيلاً نشأ في عصر الإنترنت، أكثر قدرة على استيعاب توجهات العصر، والاستفادة من معرفتهم وفهمهم العميق للفضاء الإلكتروني لتحقيق نمو أفضل وأسرع، وليصبحوا في المستقبل القريب عماد قطاع الخدمات القانونية في البلاد".

أخبار ذات صلة.
"قسد"... سيرة أداة
العربي الجديد
منذ 48 دقيقة