عربي
تستمر تداعيات قرارات ترامب تجاه المنظمات الدولية، إذ أعلن برنامج الأمم المتحدة الإنمائي، أخيراً، نقل 400 موظف من نيويورك إلى أوروبا، مع العلم أن واشنطن شريك حيوي للبرنامج الذي تُخصّص 50% من نفقاته لـ60 منطقة هشّة.
تتواصل مفاعيل قرارات الرئيس الأميركي دونالد ترامب القاضية بانسحاب الولايات المتحدة من 66 منظمة دولية، بذريعة أنّ هذه المنظمات لم تعد تخدم المصالح الأميركية، فضلاً عن الانعكاسات السلبية لنقص التمويل الأميركي. وقد انسحبت التداعيات أخيراً على برنامج الأمم المتحدة الإنمائي (UNDP) الذي أعلن، الاثنين، أنّه سينقل نحو 400 موظف من مقرّه في نيويورك إلى ألمانيا وإسبانيا، وذلك بعد خفض الولايات المتحدة للتمويل.
وإذ أشار البرنامج إلى أنّ مقره الرئيسي سيبقى في نيويورك، حيث توجد أيضاً مكاتب مخصصة لمناطق مختلفة من العالم، بما في ذلك أوروبا، إضافة إلى مكاتب تمثيلية لدول بعينها، أعلن أنّ نقل موظفين تابعين له يُعتبر "جزءاً من جهود مستمرة للتكيّف مع الوضع المالي والتنموي المتغيّر، وتعزيز الشراكات، وزيادة قدرة برنامج الأمم المتحدة الإنمائي على دعم أكثر الناس ضعفاً في العالم".
وكان ترامب قد وقّع في 7 يناير/ كانون الثاني الجاري، مذكرة رئاسية توجّه بانسحاب الولايات المتحدة من 66 منظمة دولية. وفي بداية فترته الرئاسية عام 2025، بدأ ترامب بإجراءات انسحاب الولايات المتحدة من منظمة الصحة العالمية واتفاق باريس للمناخ، كما وقّع أمراً تنفيذياً للانسحاب من مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة، وحظر أي تمويل لوكالة الأمم المتحدة لإغاثة وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين (أونروا). والعام الماضي، خفّض ترامب المساعدات الإنمائية الخارجية الأميركية بأكثر من 80% في إطار برنامج حكومي قاده الملياردير إيلون ماسك.
وقال برنامج الأمم المتحدة الإنمائي إنّ ما يقرب من 400 موظف، أي ما يمثل "حصة كبيرة من الوظائف الموجودة حالياً في مقره الرئيسي"، سيتأثرون بهذا القرار. وسينتقل نحو 300 موظف إلى بون في ألمانيا، ونحو 100 إلى مدريد في إسبانيا.
وتُعدّ بون واحدة من أكبر مقارّ الأمم المتحدة في أوروبا، إلى جانب جنيف وفيينا، إذ تستضيف 27 مؤسسة تابعة للأمم المتحدة يعمل بها نحو 1200 موظف. وتقع في بون المقارّ العالمية لأمانة اتفاقية الأمم المتحدة الإطارية بشأن تغير المناخ، وبرنامج متطوّعي الأمم المتحدة، واتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة التصحر.
وفي السياق، قال وزير الخارجية الألماني، يوهان فاديفول، في بيان منفصل إنّ هذه الخطوة، التي ستُنفّذ على مدى عامين، تُظهر الثقة في الدبلوماسية الألمانية، وتبعث إشارة سياسية مهمة على الثقة في السياسة الخارجية الألمانية، وتعزّز مكانة بون مركزاً للأمم المتحدة، ولا سيّما في وقت تتعرض فيه منظومة الأمم المتحدة ومبادئ التعددية لضغوط". وأضاف فاديفول: "ألمانيا كانت وستظل داعماً ومُروّجاً للتعاون الدولي، لأنّ ذلك مهم أيضاً لأمن بلدنا وحريته وازدهاره". وفي بيانها، ذكرت الحكومة الألمانية أنّ الأمم المتحدة لديها بالفعل 27 مؤسسة ونحو 1200 موظف في بون.
تجدر الإشارة إلى أن برنامج الأمم المتحدة الإنمائي يعمل في نحو 170 دولة وإقليماً، ويضمّ قرابة 22 ألف موظف، يعمل الغالبية العظمى منهم، أكثر من 19 ألفاً، في مكاتب بالدول والمراكز الإقليمية.
ويُعتبر برنامج الأمم المتحدة الإنمائي المنظمة الرائدة في الأمم المتحدة التي تعمل على إنهاء الفقر، ومعالجة الأزمات والوقاية منها، وحماية الكوكب. ومن خلال شبكته الواسعة في 170 دولة وإقليماً، يساعد البرنامج الأفراد والمجتمعات والحكومات على بناء حلول متكاملة ومستدامة للبشرية وكوكب الأرض، بحسب ما جاء في موقعه الرسمي.
وتُعدّ الولايات المتحدة شريكاً حيوياً للبرنامج منذ إنشائه في العام 1966. ويساهم عمل البرنامج في بناء مجتمعات سلمية ومستقرة وعلاقات تجارية مثمرة، ما يعزّز السياسة الخارجية الأميركية والأمن والمصالح الاقتصادية، بحسب الموقع ذاته، كما يساهم بشكل مباشر في الاقتصاد الأميركي؛ ففي الفترة من 2012 إلى 2023، اشترى البرنامج سلعاً وخدمات بقيمة تقارب 1.534 مليار دولار من كلّ الولايات الأميركية الخمسين ومقاطعة كولومبيا، ما دعم الوظائف والشركات الأميركية في شتى أنحاء البلاد.
وقد ساهمت حكومة الولايات المتحدة بنحو 80 مليون دولار سنوياً منذ عام 2012 في الميزانية التشغيلية الأساسية المرنة لبرنامج الأمم المتحدة الإنمائي. وتُعزز هذه المساهمة الطوعية، بالإضافة إلى التمويل الأميركي لبرامج ذات أهمية خاصة وفريدة للولايات المتحدة، مرونة البرنامج وقدرته على الاستجابة للأزمات، وتقديم برامج بقيمة تقارب خمسة مليارات دولار سنوياً على مستوى العالم.
وخلال الفترة من 2010 إلى 2023، بلغ متوسط التمويل الأميركي غير الأساسي نحو 270 مليون دولار. ويُقدّر إجمالي التمويل غير الأساسي لعام 2024 بنحو 83 مليون دولار. وعلى مدار السنوات الخمس الماضية، وُجهت أكبر المساهمات غير الأساسية إلى مكتب إدارة الأزمات، والعراق وأفغانستان وباكستان واليمن. وبشكل عام، تُخصّص 50% من نفقات برنامج الأمم المتحدة الإنمائي لـ60 منطقة هشّة.
وبحسب البرنامج، يُساهم دولار واحد من الولايات المتحدة في زيادة التمويل بمقدار سبعة دولارات من جهات أخرى. وتُمكّن المساهمات الأميركية برنامج الأمم المتحدة الإنمائي من الحفاظ على وجود مُنسّق داخل البلدان قبل الأزمات وخلالها وبعدها، وتنسيق أعمال الأمم المتحدة التنموية والإنسانية على أرض الواقع، والاستجابة السريعة لحالات الطوارئ.
وفي السنوات الأخيرة، ساعد البرنامج على توفير المياه النظيفة والصرف الصحي والخدمات الأساسية وفرص العمل للاجئين السوريين والأفغان والعراقيين، وللمجتمعات الفقيرة والمكتظة التي تستضيفهم. وإلى جانب عمله الملموس لمواجهة جائحة "كوفيد-19"، والنزاعات والحروب في أوكرانيا وغزة وغيرها، لعب البرنامج دوراً حاسماً في الاستجابة للنزاعات والأزمات المعقدة في أفغانستان وهايتي واليمن وسورية والعراق وغيرها.
