عربي
ما شعورك بوصفك مواطناً عربيًاً أو فلسطينيًاً أو مسؤولاً في السلطة الفلسطينية أو في حركات المقاومة حين تسمع عبارة "نيكولاي ملادينوف رئيس مجلس غزة التنفيذي"؟. ما وقع هذه العبارة على أذن حاكم دولة عربية أو إسلامية يختاره دونالد ترامب، بصفته رئيس غزّة، لكي يلعب دوراً صغيراً في إدارة الرئيس الأميركي ملف فلسطين؟
ليست الخطورة في الهرولة العربية الإسلامية نحو الالتحاق بسلطة ترامب على غزّة في أنّ ذلك بمثابة إقرار بالوصاية الترامبية على القطاع وعلى القضية الفلسطينية فقط، كما أنّ الأخطر ليس فقط أنّ قرصاناً أميركيًاً يريد امتلاك غزّة للاستثمار فيها وبها، وإنّما الخسارة الأفدح اعتناق الأطراف العربية، المُنضوية تحت سلطة الرئيس الأميركي، كلّ معتقداته السياسية الإمبريالية حيال فلسطين، والتزامهم بتصوّره للصراع، والذي يتأسّس على نقطةٍ محوريةٍ وحيدة جوهرها أنّ ما يجري في غزّة ليس صراعاً بين شعب وقوّة احتلال، بل مجرّد أعمال إرهابية بحسب ما ينظر به ترامب وإدارته إلى المقاومة، وهي النظرة التي يترجمها تصريحه فور الإعلان عن مجلسه لحكم غزّة إنّ المهمة الأولى والرئيسة تسليم السلاح وإسقاط المقاومة، مبدأً وحقًاً ومفردة، من القاموس العربي والفلسطيني، وإن لم يحدُث ذلك فوراً "سوف نفجرهم ونقتلهم جميعًا"، كما توعّد "زعيم السلام" المقاومين الفلسطينيين. وبالطبع، لن يستطيع مسؤول عربي من عمّال سلطته على غزّة أن يخرج عن هذا الخط أو يعارضه، فقد قالوا جميعاً وبصوت واحد من داخل البيت الأبيض "نجدّد الالتزام بالتعاون مع الرئيس ترامب، ونؤكّد أهمية قيادته من أجل إنهاء الحرب وفتح آفاق لسلام عادل ودائم"، وذلك بحسب البيان المُشترك الصادر عن الدول العربية والإسلامية بعد اجتماع الرئيس الأميركي بها في نيويورك خارج إطار الأمم المتحدة، في سبتمبر/ أيلول الماضي.
ذلك البيان الذي بدا وكأنّه مُحاكاة لبيانات أرشيف الفترة التي قادت العرب إلى النكبة الأولى في 1948 ومن ثم ضياع فلسطين، ينطق أنّ الواقع العربي الراهن هبط إلى ما هو أسوأ من زمني النكبة والنكسة. ومن أسف أنّ هذا التماهي الرسمي العربي مع منطق دونالد ترامب سيكون إرثاً كارثيّاً على أجيال عربية وفلسطينية قادمة، يزداد سوءًا عن ميراث نكسة حرب 1967 ثم نكسات السلام المُتعاقبة منذ "كامب ديفيد" الأولى وحتى ما بعد "أوسلو"، إذ إنها المرّة الأولى في التاريخ التي يتزامل فيها حكّام دول عربية وإسلامية مع رئيس حكومة الاحتلال الإسرائيلي تحت سقف مشروع أميركي واحد، يرفع شعار "سنفجر كل المقاومين الفلسطينيين ونبيدهم إن لم يسلموا الأسلحة ويتركوا لنا غزة نحكمها ونديرها باعتبارها استثمارًا مضمونًا".
يثير الدهشة أنّ أوروبا صاحبة التراث الاستعماري الهائل تعفّفت عن المشاركة في مجلسٍ عنوانه السلام، لكن جوهره القرصنة على أرض مُحتلة أصلًا، وهي أرضٌ ليست مُكتشفة حديثاً أو جزراً مهجورة، بل هي أرض لشعب تاريخه أعرق من كلّ الامبراطوريات الأوروبية، التي زرعت فيما بعد كياناً استعماريّاً أسمته "أميركا" على أنقاض حضارة أخرى وشعب آخر يوصف بأنه "الهنود الحمر". ليس معلوماً ما إذا كان الامتناع الأوروبي عن الانضمام لمجلس ترامب صحوة ضمير تجاه فلسطين التي ذبحتها أوروبا الاستعمارية، قبل أن تمنحها للكيان الصهيوني، أم أنّ امتناعها يأتي نوعاً من التمرّد على رغبة ترامب في تركيع القارة العجوز، لكن المعلوم والمؤكّد أنّ الذين يزعمون إنهم أشقاء فلسطين ارتضوا، وبمنتهي السرور، أن ينضووا تحت لواء القائد دونالد ترامب، يداً بيد وكتفاً بكتف مع مجرم الحرب الصهيوني بنيامين نتنياهو فيما يسمّى كذباً "مجلس السلام" أو قل "المجلس الأعلى للقضاء على المقاومة الفلسطينية".
