أميركا تتحوّل "قوة متمرّدة" مع ترامب
عربي
منذ يوم
مشاركة
في حقل العلاقات الدولية ثمّة ما يوصف بـ"قوى الوضع القائم" (Status Quo Powers) في مقابل "قوى تعديلية" (Revisionist Powers)، وتُترجم أحياناً بـ"قوى متمرّدة". قوى الوضع القائم هي التي تسعى إلى الحفاظ على النظام الدولي القائم، بقواعده ومؤسّساته وحدود توزيع القوة فيه، لأنها مستفيدةٌ منه، ولأنه يخدم مصالحها. وتُعدّ الولايات المتحدة أبرز قوى الوضع القائم. أما القوى التعديلية، فهي على النقيض من ذلك، إذ إنها تقارب النظام الدولي الحالي على أنه غير عادل وغير ملائم لمصالحها، ومن ثمّ فهي تسعى دوماً إلى تغييره أو حتى تقويضه، سواء عبر أدوات دبلوماسية، أو اقتصادية، أو عسكرية. وتُعدّ الصين وروسيا أبرز القوى التعديلية. ولكل طرف من هذه الأطراف حلفاء ومعسكرات محسوبة عليه. في حالة الولايات المتحدة تُعدّ الدول الأوروبية، وكندا، واليابان، وكوريا الجنوبية، وإسرائيل، وغيرها، فضلاً عن حلف شمال الأطلسي (الناتو)، جزءاً من منظومة تعزيز الوضع القائم حمايةً لمصالحها. أيضاً، لروسيا والصين حليفاهما، ولكن ليس باتساع حلفاء الولايات المتحدة وعمق تلك التحالفات، كما في بيلاروسيا، وإيران، وكوريا الشمالية. كذلك تحاول الصين وروسيا تقويض قواعد النظام الاقتصادي الدولي الذي أرسته الولايات المتحدة وحلفاؤها على مدى عقود طويلة، عبر أدوات وتحالفات عدّة، مثل منظومة "بريكس" الاقتصادية. غير أن اللافت اليوم أن تتحول الولايات المتحدة، تحت رئاسة دونالد ترامب الثانية، إلى قوة تعديلية للنظام الدولي نفسه الذي هندسته هي نفسها في عالم ما بعد الحرب العالمية الثانية (1939 – 1945)، وعزّزته بعد الحرب الباردة (1947 – 1991). لم تبدأ إرهاصات هذا التحوّل في رئاسة ترامب الثانية الحالية، بل في فترته الرئاسية الأولى (2017 – 2021)، عندما بدأ معركة على "الناتو"، معتبراً أنه تحالف "عفا عليه الزمن"، وبأن معظم دوله، التي تعتمد على الولايات المتحدة أمنياً، تنهب بلاده عبر عدم تخصيصها 2% من ناتجها القومي الإجمالي للدفاع، في حين كانت الولايات المتحدة تنفق 3.3% من ناتجها القومي الإجمالي على الدفاع. ونجح ترامب حينها في إرغام معظم دول الحلف على الالتزام بالنسبة المحدّدة للجميع، وهي في طريقها إلى رفع تلك النسبة إلى 5%. ومع ذلك، هذا لا يرضي ترامب. كذلك، أعلن ترامب، في رئاسته الأولى، حرباً تجاريةً مع الخصوم كالصين، ومع الحلفاء كذلك ككندا والاتحاد الأوروبي. وفي رئاسته الحالية، صعّد تلك الحرب بشكل أكثر شراسة. غير أن أخطر ما يفعله ترامب حالياً تفكيك التحالفات الأمنية الأميركية التي اعتمدت عليها الولايات المتحدة في الثمانين عاماً الماضية، بل إجهاضها عملياً. حرب ترامب على قواعد الحكم الأميركي الراسخة لا تقلّ خطورةً عن حربه على النظام الدولي مساعي ترامب للاستحواذ على جزيرة غرينلاند، الواقعة بين المحيطَين المتجمّد الشمالي والأطلسي، والتابعة للسيادة الدنماركية، ولو بالإكراه، اقتصادياً وعسكرياً، تهدّد بتقويض النظام الدولي (برمّته) الذي كانت واشنطن توظّفه وتذخّره ضد قوى تعديلية، أو "متمرّدة" كما تتهمها، كالصين وروسيا. الدنمارك عضو في الاتحاد الأوروبي، وهي كذلك عضو في "الناتو"، وهذا يشمل غرينلاند. المفارقة أن ترامب يزعم أن غرينلاند قد تقع فريسةً للصين أو روسيا، في حين أنها مشمولةٌ فعلياً بمظلة الحماية الأميركية عبر "الناتو"، ويوجد فيها قاعدة عسكرية أميركية. ورغم أن الأسباب الحقيقية لترامب تتعلّق بالمعادن النادرة في الجزيرة، وبطرق الملاحة التجارية الدولية في المستقبل التي تتعزّز فرصها مع تسارع ذوبان الجليد، يَشي مجرّد تهديده دولةً حليفةً وعضواً في حلف شمال الأطلسي، وتصعيده نبرة التهديد ضد الدول الأوروبية، بأنّ العالم مقبل على ولادة نظام دولي جديد. وكان الرئيس الفرنسي، إيمانويل ماكرون، قد اتهم واشنطن ضمناً بأنها تقود التحوّل "نحو عالم بلا قواعد، إذ يُداس القانون الدولي تحت الأقدام، فالقانون الوحيد الذي يبدو مهمّاً هو قانون الأقوى، وتظهر الطموحات الإمبراطورية مجدّداً". ودعا ماكرون أوروبا إلى حل مشكلاتها الرئيسية: ضعف النمو والاستثمار، وقال إن "العالم وصل إلى زمن من عدم الاستقرار وعدم التوازن، سواء من منظور الأمن والدفاع أو من منظور الاقتصاد". إلا أن أهم ما فعله ماكرون كان ترحيبه بشراكة مشروطة مع الصين ردّاً على المحاولات الأميركية لإخضاع القارة الأوروبية بالرسوم الجمركية. وإذا مضت أوروبا في هذا الاتجاه، فإن كندا قد سبقتها إليه في يناير/ كانون الثاني الجاري، إذ وقّعت اتفاقية شراكة اقتصادية مبدئية مع الصين، ردّاً على الرسوم الجمركية الأميركية، ومحاولات ترامب إكراه كندا لتنضمّ إلى الولايات المتحدة بوصفها الولاية الواحدة والخمسين. هذه التصدّعات التي يحدثها ترامب في هيكل النظام الدولي، الذي كانت واشنطن تزعم الدفاع عنه، جعلها في موقع الصين وروسيا اللتَين طالما اتهمتهما بأنهما قوى تعديلية أو قوى متمرّدة. المفارقة أن المؤسّسة التقليدية في واشنطن لا تزال تحاول أن تحافظ على الولايات المتحدة قوةَ وضعٍ قائم، غير أن الرئيس في رأس المؤسّسة شخصية تعديلية أو شخصية متمرّدة على الوضع القائم. فحرب ترامب على قواعد الحكم الأميركي الراسخة لا تقلّ خطورةً عن حربه على النظام الدولي.

أخبار ذات صلة.

( نوافذ يمنية) محرك بحث إخباري لا يتحمل أي مسؤولية قانونية عن المواد المنشورة فيه لأنها لا تعبر عن رأي الموقع..

جميع الحقوق محفوظة 2026 © نوافذ يمنية