هل ينتقل ترامب لتصفية الحساب مع "الناتو" بعد غرينلاند؟
عربي
منذ يومين
مشاركة
بصورة مفاجئة وبصيغة ملتبسة، تراجع الرئيس الأميركي، دونالد ترامب، أمس عن تهديده باستخدام القوة لضم غرينلاند وكذا رفع التعرفة على البضائع المستوردة من 8 دول أوروبية وقفت بقوة مع الجزيرة والدنمارك التي تملكها من بوابة الحكم الذاتي. بدا وكأنه كان يدرك أنه إذا كان السطو العسكري على الجزيرة ميسوراً، إلا أن تمريره باعتباره واقعاً مقبولاً متعذر، ودونه موانع عاتية غربية ومحلية ودولية. فهناك رفض أوروبي عنيد ومتماسك، ثم إن أجواء منتدى دافوس وأسواق المال كانت غير إيجابية إزاء مشروعه، فضلاً عن وجود اعتراض أميركي عارم وعابر للانتماءات الحزبية على ضم الجزيرة، بعدما كشف استطلاع رأي أن ثلاثة أرباع الأميركيين يرفضون الفكرة. في ضوء ذلك سارع الرئيس الأميركي إلى القبول بمخرج أو بالأحرى إلى البحث عن مخرج، حُبِك مع الأمين العام لحلف شمال الأطلسي "الناتو" مارك روته، على هامش منتدى دافوس. سرعة التراجع مع الإخراج المفتوح على التأويل، تثير التساؤلات والشكوك في أكثر من اتجاه. من بينها ما إذا كان ترامب قد توسّل من الأساس ملف "الصفيحة الجليدية" كما سمّى غرينلاند للعبور من خلاله إلى تصفية الحساب مع الأوروبيين بالانسحاب من حلف "الناتو" ثمناً لإفشاله في ضم الجزيرة. وقصته مع كل من غرينلاند وحلف شمال الأطلسي، تحتمل مثل هذا السيناريو أكثر مما تستبعده. جاء الرئيس الأميركي إلى منتدى دافوس وهو يحمل شعار "إذا لم توافق الدنمارك بصورة ودّية على ضم غرينلاند فإننا سنلجأ الى الضم بطريقة صارمة"؛ يعني بالقوة. من بين حيثياته أن "الدفاع عن الجزيرة مرتبط بملكيتها"، مع أن هذه المهمة مضمونة بالمادة الـ5 من ميثاق حلف الأطلسي باعتبار أن غرينلاند جزء من الدنمارك العضو في الحلف. ثم إن الملكية لا تتوفر في ترتيبات دفاعية أميركية عديدة في العالم. وفي السياق، زعم ترامب أن واشنطن تخلت عن الجزيرة للدنمارك، بعد الحرب. ما حصل أن الولايات المتحدة نشرت قوات عسكرية في غرينلاند خلال الحرب العالمية الاولى. في 1951 أبرمت الولايات المتحدة اتفاقيات مع الدنمارك لإقامة قواعد ومواقع عسكرية هناك، لم يبق منها سوى واحدة. والمعروف أن كوبنهاغن أبدت انفتاحها باستمرار لاستضافة قواعد أو شبكات دفاعية أميركية عند الطلب. وتسرب كلام من هذا القبيل خلال زيارة وزير خارجية الدنمارك لارس لوكه راسموسن لواشنطن أخيراً. والمعروف أيضاً أن واشنطن سبق أن أكدت سيادة الدنمارك على غرينلاند، بموافقة مجلس الشيوخ في 1916، مع أنها كانت قد عرضت شراء الجزيرة في 1867، لكن العرض قوبل بالرفض. ويدرك ترامب أيضاً أن أي مشروع ضم من هذا النوع يستدعي موافقة الكونغرس، وأن هذا الأخير ليس في وارد التجاوب مع مثل هذه الخطوة، على الأقل في الوقت الحاضر. من جهة ثانية، ليس سراً في واشنطن أن العلاقات الثنائية مع الخارج هي الصيغة المفضلة لدى الرئيس ترامب. فهو لا يطيق التحالفات و"يستخف" بالحلفاء. وقد تعامل مع حلف "الناتو" من البداية على هذا الأساس. اعتبره "عبئاً" على أميركا التي تنهض بالشق الأكبر من تكاليفه العسكرية. وفعلاً، كانت هناك شكاوى في الماضي من تلكؤ، وأحياناً من امتناع بعض الدول الأعضاء عن إنفاق الحصة المطلوبة لشؤون الدفاع. وطالب ترامب دول الحلف برفع حصة الدفاع إلى 5% من الناتج الاجمالي القومي بدلاً من 2%. وقد تعهدت جميعها على موافقة على الطلب في 25 يونيو/ حزيران الماضي بحلول 2035. مع ذلك بقي يتحدث عن "الضعف" الأوروبي. ويقول إن أميركا "لم تحصل يوماً على شيء من الناتو"، مضيفاً أن هذا التحالف "دأب على التعامل معنا بصورة غير منصفة" وبما يستبطن الرغبة في التخلص منه. وذهب في هذا الخطاب إلى حد الإعلان صراحة أن الولايات المتحدة "ليست ملتزمة كلياً بالدفاع عن أعضاء الناتو كافة". مثل هذه الاشارات وغيرها عززت الاعتقاد بأن "الناتو" دخل في دائرة خطر العد العكسي، بل فقدَ بريقه إلى درجة أنه "لن يعود في زمن ترامب"، على حد تعبير المعلق ديفيد روثكوف. الرئيس ترامب لا بد أنه يدرك أن وضع اليد على جزيرة الجليد ليس بسهولة وضع اليد على فنزويلا. الظروف والحسابات والقوى المعنية بالوضعين مختلفة، وبالتالي إن سحب تهديداته بشأن غرينلاند أو ما بدا كذلك لا يبدو مناورة بقدر ما هو خطوة محسوبة في لحظة سانحة، مع أن الملف سيبقى في التداول لفترة غير قصيرة، إما للعودة إليه لاحقاً، وإما للعبور من خلاله إلى موضوع آخر. و"الناتو" ليس خارج شاشة رادار التوقعات بأن يكون الملف التالي في مسلسل مفاجئات ساكن البيت الأبيض. لكن في الزمن الترامبي تبقى كل الاحتمالات واردة، ومن ضمنها التراجع عن التراجع.

أخبار ذات صلة.

( نوافذ يمنية) محرك بحث إخباري لا يتحمل أي مسؤولية قانونية عن المواد المنشورة فيه لأنها لا تعبر عن رأي الموقع..

جميع الحقوق محفوظة 2026 © نوافذ يمنية