الحكومات الأوروبية تتجه إلى القروض قصيرة الأجل بسبب ارتفاع الفائدة
عربي
منذ يومين
مشاركة
يتجه مزيد من الحكومات الأوروبية إلى تقليص الاقتراض عبر السندات السيادية طويلة الأجل مفضلة بدلاً من ذلك وسائل التمويل الأقصر أجلاً للحد من الخسائر المرتبطة بارتفاع تكاليف الاقتراض. وتُعد السندات السيادية طويلة الأجل، التي تمتد آجال استحقاقها عادة بين 10 و30 عاماً أو أكثر، ركيزة أساسية في تمويل الحكومات، إذ تتيح لها توزيع كلفة الاقتراض على مدى عقود، مع توفير عوائد مستقرة لمستثمرين مثل صناديق التقاعد وشركات التأمين. وازدادت شعبية السندات طويلة الأجل بشكل كبير عقب الأزمة المالية العالمية عام 2008، حين خفّضت البنوك المركزية أسعار الفائدة إلى مستويات متدنية وأطلقت برامج واسعة لشراء هذه السندات، ما مكّن الحكومات من تثبيت تكاليف اقتراض منخفضة استثنائياً لفترات طويلة. لكن هذا المشهد تغير بشكل كبير بعد جائحة كورونا، خاصة في ظل معدلات التضخم العالية التي دفعت معظم البنوك المركزية إلى رفع أسعار الفائدة بشكل كبير وإنهاء برامج شراء السندات وتراجع إقبال صناديق المعاشات عليها. وفي الوقت نفسه، لجأت الحكومات إلى زيادة الاقتراض لتمويل إنفاق أعلى على الدفاع، ودعم الطاقة، والبنية التحتية، ومتطلبات المجتمعات المتقدمة في السن. ويشير تقرير لصحيفة فاينانشال تايمز اليوم الخميس إلى أنه من المتوقع أن ينخفض متوسط آجال استحقاق الديون المباعة عبر أسواق منطقة اليورو الكبرى، بما في ذلك ألمانيا وفرنسا وإيطاليا، إلى أقل من 10 سنوات للمرة الأولى منذ عام 2015 خلال هذا العام، وفق توقعات بنك "باركليز" المستندة إلى اتجاهات إصدارات الحكومات. وفي المملكة المتحدة، يتوقع البنك أن يبلغ متوسط أجل الاستحقاق نحو 8.8 سنوات، وهو الأدنى خلال هذا القرن. وتبرز هذه الأرقام كيفية استجابة مديري الديون في الدول لتراجع شهية المشترين التقليديين، مثل صناديق التقاعد، تجاه القروض طويلة الأجل. فقد أنهت هولندا هذا الشهر إصلاحاً شاملاً لنظام التقاعد بقيمة 1.8 تريليون يورو، يُتوقع أن يقلّص الطلب على الديون طويلة الأجل. كما شهدت اقتصادات مثل المملكة المتحدة تحولات بعيداً عن أنظمة التقاعد ذات المزايا المحددة التي جعلتها في السابق مشترين نهمين للسندات طويلة الأجل. ويمثل هذا المشهد تحولاً حاداً مقارنة بما كان عليه قبل عقد، حين سارعت الحكومات الأوروبية إلى تثبيت تكاليف الاقتراض المنخفضة عبر إصدار سندات بعيدة المدى  يصل أجل استحقاق بعضها إلى 100 عام، غير أن الحكومات نفسها تسير الآن على نسق عكسي. وعادةً ما يكون الاقتراض قصير الأجل أقل كلفة على الحكومات، ما يمكّنها من خفض فاتورة الفوائد عبر تجنب الإصدارات طويلة الأجل. غير أن الاعتماد على آجال أقصر كما فعلت الولايات المتحدة في السنوات الأخيرة  يجعل المالية العامة أكثر عرضة لتقلبات أسعار الفائدة، نظراً إلى الحاجة إلى إعادة تمويل الدين بانتظام. لكن الفجوة بين تكاليف الاقتراض لأجل عامين وعشرة أعوام اتسعت بشدة خلال العامين الماضيين في أكبر الاقتصادات الأوروبية، وسط تخمة عالمية في الإصدارات. تراجع الطلب وأمام هذه المعطيات، يتجه مديرو الديون بشكل متزايد إلى تقصير آجال الإصدارات الجديدة، مستفيدين من انخفاض كلفة الاقتراض على المدى القصير حالياً، ومن قدر أكبر من المرونة في حال تحسّن أوضاع التمويل مستقبلاً. غير أن هذه الاستراتيجية لا تخلو من مخاطر، إذ تزيد من كلفة إعادة التمويل إذا ما ظلت أسعار الفائدة مرتفعة. ويعكس الابتعاد عن السندات طويلة الأجل في المحصلة محاولة براغماتية لتحقيق توازن دقيق بين احتواء كلفة الاقتراض في الحاضر وإدارة المخاطر في سوق ديون عالمية تتسم بتقلب متزايد. وقد تأثرت أسواق السندات السيادية حول العالم هذا الأسبوع بموجة البيع الواسعة التي شهدتها سندات الخزانة اليابانية على إيقاع المخاوف من قيام الحكومة ببرنامج حفز اقتصادي عبر الاقتراض، الأمر الذي سيفاقم نسبة الدين في الناتج المحلي الإجمالي، وهي الأعلى بالفعل بين اقتصادات الدول المتقدمة. أما في ألمانيا التي كانت سنداتها الحكومية هي الأقوى بفضل القيود الدستورية على الاقتراض، فقد تغير الوضع مع موافقة البرلمان على تخفيف تلك القيود للسماح للحكومة بتمويل برامج تسليح وتحديث البنية التحتية. وارتفعت عوائد السندات الألمانية - المعيار المرجعي للاقتراض الحكومي طويل الأجل في منطقة اليورو - بقوة منذ خطة الإنفاق، مع استعداد المستثمرين لزيادة كبيرة في الإصدارات إلى جانب نمو اقتصادي أقوى. وتقترب عوائد السندات لأجل 30 عاماً من 3.5%، وهي مستويات لم تُسجَّل منذ أكثر من عقد. وفي المملكة المتحدة، يرى المستثمرون أن إجراءات مكتب إدارة الدين بإلغاء بعض مزادات الديون طويلة الأجل، والإعلان عن مشاورة لتوسيع سوق أذون الخزانة - وهي ديون تستحق خلال أقل من عام ـ كانت سبباً رئيسياً في مرور ميزانية نوفمبر/تشرين الثاني الماضي الماضي بهدوء في الأسواق.

أخبار ذات صلة.

( نوافذ يمنية) محرك بحث إخباري لا يتحمل أي مسؤولية قانونية عن المواد المنشورة فيه لأنها لا تعبر عن رأي الموقع..

جميع الحقوق محفوظة 2026 © نوافذ يمنية