روسيا تراقب عسكرة القطب الشمالي.. من منطقة تعاون إلى ساحة تنافس
عربي
منذ يومين
مشاركة
أصبحت غرينلاند في أيام قليلة أكثر من مجرد جزيرة جليدية؛ فقد تحولت إلى رمز جديد لصراع النفوذ بين واشنطن وحلفائها من جهة، وموسكو وبكين من جهة أخرى. الاتفاق الإطاري الذي تُحضّره الولايات المتحدة مع حلف شمال الأطلسي (ناتو) تحت ضغط الرئيس الأميركي دونالد ترامب لا يقتصر على إعادة تفاوض على اتفاقية دفاعية قديمة تعود إلى عام 1951، بل يهدف إلى إضفاء صفة تحالف غربي على وجود عسكري أميركي دائم في شمال غرينلاند، يسمح ببناء قواعد استراتيجية، ويمهّد لنشر ما يصفه ترامب بمنظومة دفاع صاروخي فضائي "القبة الذهبية" لتعزيز السيطرة الأميركية على المجال القطبي. هذا التحول من "تهديد بضم" إلى "تسوية/ صفقة تحالفية" قد يخفف حدة التوتر، الذي كانت موسكو مرتاحة له باعتباره يشق صفوف الغرب، لكنه يفتح أبواباً أوسع لمواجهة دولية. فالمسألة ليست حدود غرينلاند وحدها، بل منطق جديد لتوزيع القوة في القطب الشمالي، حيث يتحول الناتو إلى آلية لتثبيت النفوذ الأميركي، بينما ترى موسكو وبكين في ذلك خطوة استفزازية تهدف إلى حصار روسيا وإبعاد الصين عن موارد القطب وشراكته الاقتصادية. القلق الروسي: "العسكرة" ليست دفاعاً بل تهديد بعد ضم روسيا لشبه جزيرة القرم في 2014، تصاعد التوتر في القطب الشمالي وبحر البلطيق، مع تعزيز الغرب لوجوده العسكري وإبرام الولايات المتحدة اتفاقيات دفاعية مع النرويج والسويد، وتوسيع الناتو قرب الحدود الروسية، خصوصاً في فنلندا. ومع أزمة غرينلاند وتدريبات الحلف هناك، أعربت موسكو من خلال بيان لسفارتها في بروكسل، مقر الناتو ومؤسسات أوروبا، عن "قلقها البالغ"، واعتبرت أن توسع الناتو يحصل "تحت ذريعة زائفة" بشأن تهديد روسي أو صيني، وأنه مبرر لتوسيع النفوذ العسكري الغربي. واعتبرت روسيا أن تحويل غرينلاند إلى قاعدة أميركية أو أطلسية يهدف إلى مواجهة موسكو وبكين، ورفضت اعتبار الجزيرة "هدفاً" لهذه المواجهة. وقال وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف إن القضية "مشكلة استعمارية" ليست من أولويات روسيا المباشرة، لكنه أشار إلى أن موسكو "تراقب التطورات من كثب". ومع احتمال إبرام اتفاق إطار بين ترامب والأمين العام للناتو مارك روته، تزداد حساسية موسكو، خصوصاً مع تجربتها السابقة في توسع الحلف رغم وعود بعدم التوسع شرقاً. وفي تقييم روسي واضح، اعتبر المتحدث باسم الكرملين، ديمتري بيسكوف، أن نجاح ترامب في القضية سيُخلّد اسمه في التاريخ، ما يُفسر بأنه إشارة إلى ارتياح نسبي لضعف وحدة الناتو. وبذلك ترفض روسيا تحويل القطب إلى ساحة عسكرة، لأن القضية تتجاوز غرينلاند، وتصل إلى تغيير قواعد اللعبة في المنطقة القطبية. روسيا: من "تعاون" إلى "ردع" في القطب لم تعد روسيا تنظر إلى القطب الشمالي على أنها منطقة تعاون علمي فقط، بل عمق استراتيجي حيوي لا يمكن التفريط به. فالممرات البحرية الجديدة والموارد الهائلة تحت الجليد وموقع القطب، بكونه أقصر طريق بين آسيا وأوروبا حولته إلى محور تنافس دولي، خصوصاً مع دخول الصين عبر تحالف مع موسكو. ومع تصاعد حضور الناتو وعودة النقاش الأميركي حول غرينلاند قاعدةً استراتيجيةً، بدأت روسيا تعيد صياغة سياستها من "تعاون" إلى "ردع"، معتبرة أن أي توسع عسكري غربي يهدد توازنها الاستراتيجي. على الأرض، ترجمت موسكو هذا التحول بتعزيز بنيتها العسكرية في الشمال: إعادة تأهيل قواعد جوية وبحرية، وتوسيع قدراتها في بحر الشمال، ورفع جاهزية الدفاع الجوي والصاروخي. من نوريلسك في سيبيريا، مروراً ببريفوف على الساحل المتجمد، وصولاً إلى بارنتس التي تدعم الأسطول الشمالي، وشبكة قواعد في يامال تضمن وجوداً دائماً في قلب القطب، وصولاً إلى مراكز دفاع جوي وصاروخي في كومي وشمال غرب روسيا، شكلت روسيا عمقاً استراتيجياً يرفع تكلفة أي توسع أميركي أو أطلسي في المنطقة. وتعكس الرسالة الروسية الأخيرة عبر الإعلان عن سلاح فائق السرعة وصعوبة اكتشافه وإيقافه، مدى تصاعد سباق التسلح. فبينما يستثمر الغرب في تعزيز دفاعاته، تؤكد روسيا قدرتها على تجاوز هذه الأنظمة، ما يعيد القطب إلى واجهة الصراع ويزيد من مخاطر التصعيد، ويجعل المنطقة ساحة تنافس على السيطرة والردع. الصين: من "مراقب" إلى لاعب سياسي يضغط على الغرب الصين ليست دولة قطبية جغرافياً، لكنها باتت لاعباً مؤثراً عبر حضورها الاقتصادي واستثماراتها في البنية التحتية واهتمامها بطرق الشحن الشمالية الجديدة. وبوصفها عضواً مراقباً في مجلس القطب الشمالي، تسعى بكين لتثبيت وجودها رسمياً، ما يمنحها نفوذاً سياسياً يوازي نفوذها الاقتصادي. هذا الوجود يثير قلق الغرب، لكن بالنسبة إلى روسيا يمثل فرصة استراتيجية. فموسكو تستخدم حضور الصين لتكون "ورقة ضغط" في مواجهة التحركات الغربية، معتبرة أن أي محاولة أميركية لتوسيع النفوذ العسكري في القطب ليست تحدياً لها وحدها، بل أيضاً محاولة لمنع الصين من تعزيز نفوذها في الشمال. القطب الشمالي 2026: ساحة تنافس لا "منطقة تعاون" مع تصاعد هذا التنافس، لم يعد القطب الشمالي مجرد مساحة جغرافية أو مصدراً للموارد، بل أصبح محوراً جديداً للصراع الدولي. فإذا كانت سياسة روسيا سابقاً تتجه نحو التعاون والتهدئة، فإنها اليوم تتجه نحو حماية مصالحها بالقوة والردع، مع الحفاظ على صورة "القوة المسؤولة". أما الصين، فهي تسعى لتثبيت موقعها "قوةً قطبيةً غير قطبية" عبر نفوذ اقتصادي ودبلوماسي، وتستخدم عضويتها المراقبة في مجلس القطب الشمالي للضغط على الغرب وخلق توازن في المنطقة. وبينما يسعى الغرب، بقيادة الولايات المتحدة، لتحويل أزمة غرينلاند إلى نموذج جديد لوجود عسكري دائم في القطب، يبقى السؤال الأكبر: هل سيستمر القطب منطقةَ تعاون، أم سيتحول إلى ساحة صراع مفتوحة؟ وإذا استمر التوتر، فإن روسيا والصين ستظلان محورين رئيسيين في معادلة الردع، وستستخدمان كل أدواتهما العسكرية والاقتصادية والدبلوماسية لمنع الغرب من إعادة رسم قواعد اللعبة وفقاً لمصالحه وحده.

أخبار ذات صلة.

( نوافذ يمنية) محرك بحث إخباري لا يتحمل أي مسؤولية قانونية عن المواد المنشورة فيه لأنها لا تعبر عن رأي الموقع..

جميع الحقوق محفوظة 2026 © نوافذ يمنية