مشهدٌ مُقلِقٌ جدّاً
عربي
منذ 3 أيام
مشاركة
لا يحتاج المرء إلى جهدٍ كبيرٍ كي يلمس حدّة التراشق الإعلامي العربي في منصّات التواصل الاجتماعي هذه الأيام؛ فالكلمات تتطاير كما لو أنّها شظايا، تصيب أكثر ممّا تُقنع، وتجرح أكثر ممّا تُضيء. ومع هذا التراشق المتواصل، يتكشّف مشهدٌ مُقلِق لا يتعلّق بوفرة الآراء بقدر ما يتعلّق بضمور الوعي، وبانكماش المسافة الأخلاقية التي ينبغي أن تفصل بين الاختلاف والتحريض، وبين النقد والتشهير، وبين الرأي والشتيمة المُقنَّعة بلغة الرأي. ما نراه اليوم ليس مجرّد اختلاف في وجهات النظر، فالاختلاف جزء طبيعي من أيّ حراكٍ فكريٍّ حيّ، إنما هو انحدار الخطاب من مساحة للتفكير المشترك إلى ساحة لتصفية الحسابات، حيث تُستدعى العاطفة بلا كوابح، وتُستثمر القضايا العامة وسيلةً لتحقيق مكاسب ضيّقة، وحيث يصبح الانتماء اللحظي أهمّ من الفكرة، والاصطفاف السريع أقوى من السؤال، والتصفيق أعلى صوتاً من التفكير. تُغري هذه المنصّات المرء بسهولة التعبير، وتمنحه شعوراً زائفاً بالقوة، وتجعله يعتقد أنّ امتلاك حساب يعني امتلاك موقف، وأنّ كثرة المتابعين تعني صواب الرأي. وهنا تبدأ المعضلة؛ فالكلمة التي كانت يوماً أداة معرفةٍ ومسؤوليةٍ أخلاقيةٍ تتحوّل إلى طلقة طائشة، تُطلق بلا تدقيق ولا مراجعة، ويُقاس أثرها بعدد الإعجابات لا بعمق المعنى، وبسرعة الانتشار لا بسلامة الفكرة. وسط هذا المشهد، تتقدّم الاصطفافات العاطفية والمادية بخفّة لافتة؛ اصطفافات لا تستند إلى مبادئ راسخة ولا إلى رؤية فكرية، إنما إلى مصالح آنية، ومنافع شخصية، وحسابات صغيرة تتخفّى خلف شعارات كبيرة. فيبدو الجميع وكأنّه في سباق محموم للالتحاق باللاشيء، لا لأنّ لديه ما يقوله، بل لأنّ الصمت صار يُفسَّر تراجعاً، والتأنّي صار يُحسب تواطؤاً، والحياد صار تهمة. الأخطر من هذا كلّه أنّ كثيرين لم يعودوا يسألون عمّا يقولونه ولا عمَّن يخاطبونه؛ فالمهم أن يُقال، وأن يُسجَّل موقف سريع، وأن يُحجز مقعد في صفّ ما، أيّ صفّ، حتى لو كان هشّاً ومتقلّباً، وحتى لو استند إلى معلومات مبتورة أو انفعالات عابرة. وهنا تفقد الفكرة قيمتها، ويتراجع السؤال، ويتقدّم الاتهام، ويتحوّل النقاش إلى معركة أصوات لا إلى حوار عقول. لا يمكن فصل هذا الواقع عن أزمةٍ أعمق تتعلّق بثقافة القراءة، وبالعلاقة المرتبكة مع المعرفة، وبالكسل الذهني الذي يدفع المرء إلى تبنّي الجاهز، وإعادة تدوير العبارات، وتكرار ما يُقال بلا مساءلة، وكأنّ المنصّات خُلقت لا لتوسيع أفق المرء، وإنما لاختبار مدى استعداده للتفريط بعقله مقابل شعور عابر بالانتماء أو التفوّق. ومع ذلك، لا يصحّ تحميل المنصّات وحدها مسؤولية هذا الانحدار؛ فهي أدوات في نهاية الأمر، تكشف ما فينا أكثر ممّا تصنعه، وتُظهر ما نؤجّله من أسئلة حول معنى الرأي، وحدود الحرية، وأخلاق الاختلاف، فالمنصّة لا تُفسد الوعي من تلقاء نفسها، إنما تفضح هشاشته حين يكون هشّاً، وتختبر صلابته حين يكون متماسكاً. ثمّة حاجة ملحّة إلى استعادة فكرة المسافة: المسافة بين المرء وانفعاله، وبين رأيه ومصلحته، وبين قناعته وما يُطلب منه أن يردّده. فالكلمة حين تُقال من دون هذه المسافة تتحوّل إلى أداة إيذاء، حتى لو تزيّنت بلغة الحرص، وحين تُكتب من دون هذا الوعي تصبح مُشارِكةً في تعميم الرداءة لا في مقاومتها. اللافت أنّ كثيرين يتحدّثون عن القضايا الكبرى بلهجة الوصاية، وعن المصائر العامة بثقةٍ لا تحتمل الشكّ، بينما تغيب منهم أبسط الأسئلة المتعلّقة بالنزاهة، وبالقدرة على الاعتراف بالخطأ، وبالاستعداد لتعديل الموقف حين تتغيّر المعطيات؛ وكأنّ الاعتراف بالتعقيد ضعف، وكأنّ التردّد خيانة، وكأنّ التفكير فعل مشبوه. في هذا المناخ، يصبح من السهل أن يتهم الكلُّ الكلَّ، وأن تختلط الأصوات، وأن يُسحب الجميع إلى دائرة واحدة من الاتهام والتجريح، ويضيع الفارق بين من يسأل بحثاً عن فهم ومن يهاجم طلباً لغلبة، وبين من يكتب بدافع القلق المعرفي ومن يكتب بدافع المنفعة الشخصية. ويصير الفرز عسيراً، لا لأنّ المعايير غائبة، وإنما لأنّ أحداً لا يرغب في استخدامها.

أخبار ذات صلة.

( نوافذ يمنية) محرك بحث إخباري لا يتحمل أي مسؤولية قانونية عن المواد المنشورة فيه لأنها لا تعبر عن رأي الموقع..

جميع الحقوق محفوظة 2026 © نوافذ يمنية