هروب المليارديرات ورؤوس الأموال يضرب قلب أميركا المالي
عربي
منذ 3 أيام
مشاركة
تتسارع وتيرة إعادة تموضع رؤوس الأموال والمؤسسات المالية داخل الولايات المتحدة، في مشهد يعكس تحولات أعمق في الجغرافيا الاقتصادية للبلاد، مع انتقال بنوك كبرى وأصحاب ثروات ضخمة من ولايات تقليدية باعتبارها مراكز للمال إلى ولايات أقل عبئاً ضريبياً وأكثر جذباً للأعمال. وأكدت وسائل إعلام أميركية أن بنك "ويلز فارغو" قرر نقل المقر الرئيسي لعمليات إدارة الثروات والاستثمار من نيويورك إلى ويست بالم بيتش في فلوريدا، ليصبح أول بنك أميركي كبير ينقل مركز القرار التنفيذي لإدارة الثروات إلى ولاية فلوريدا المعروفة بغياب ضريبة الدخل. جاء ذلك بالتزامن مع تقارير متزايدة عن هجرة مليارديرات من كاليفورنيا إلى ولايات أميركية أخرى على خلفية مقترحات ضريبية تستهدف الثروات الكبيرة. ونقلت "فوكس بيزنس" عن المتحدث الرسمي باسم "ويلز فارغو" قوله إن البنك يعزز التزامه الاستراتيجي بخدمة العملاء ذوي الثروات العالية وفائقة الارتفاع عبر توسيع حضوره في ويست بالم بيتش، موضحاً أن عدداً من كبار القادة التنفيذيين سينتقلون إلى المقر الجديد، مع استمرار وجود وحدات قيادية في نيويورك وسانت لويس وشارلوت. وبحسب الصحيفة، سيُنقَل نحو 100 موظف، معظمهم من كبار التنفيذيين في إدارة الثروات، بحلول نهاية العام الحالي، فيما من المقرر افتتاح المكتب الجديد في أغسطس/ آب 2026. وقد وقع البنك عقد إيجار لمساحة تبلغ 50 ألف قدم مربعة في مبنى "وان فلاغلر" الفاخر، المملوك لمجموعة "ريليتد روس" للتطوير العقاري. وتعد وحدة إدارة الثروات والاستثمار في "ويلز فارغو" من أعمدة البنك الأساسية، إذ حققت نحو 16 مليار دولار من الإيرادات خلال العام الماضي، أي ما يقارب 20% من إجمالي إيراداته، ما يمنح قرار نقل مقرها التنفيذي وزناً اقتصادياً يتجاوز البعد الجغرافي. ويأتي قرار "ويلز فارغو" ضمن سياق أوسع تشهده جنوب فلوريدا، التي نجحت خلال السنوات الأخيرة في استقطاب شركات مالية وتكنولوجية كبرى، مدفوعة بمزيج من الحوافز الضريبية، وسهولة ممارسة الأعمال، ونمط حياة جاذب للمديرين التنفيذيين وأصحاب الثروات. وتشير بيانات مجلس تنمية الأعمال في مقاطعة بالم بيتش إلى أن المنطقة شهدت، خلال السنوات الخمس الماضية، انتقال أكثر من 140 شركة، وخلق أو الحفاظ على أكثر من 13 ألف وظيفة مباشرة، إلى جانب استثمارات رأسمالية تجاوزت 1.12 مليار دولار. كذلك سجلت مدينة ويست بالم بيتش وحدها زيادة سكانية تقارب 9600 مقيم جديد منذ تعداد 2020. ورغم تأكيد ويلز فارغو أن انتقاله إلى فلوريدا لا يستهدف تقليص أنشطته في المراكز الأخرى، فإن المؤشرات المتراكمة توحي بأن مركز الثقل المالي الأميركي يشهد تحركاً تدريجياً نحو الجنوب، في ظل منافسة ضريبية وتنظيمية حادة بين الولايات. ولا يقتصر هذا الاتجاه على القطاع المصرفي وحده، إذ تشير التغطيات إلى استقطاب فلوريدا شركات من قطاعات التكنولوجيا، والرعاية الصحية، ورأس المال المغامر، ما يعزز موقعها مركزاً ناشئاً للمال والأعمال. ضريبة الثروة تشعل هجرة المليارديرات وبالتوازي مع التحركات المؤسسية، أفادت "فوكس بيزنس" بحدوث هجرة متسارعة لمليارديرات من كاليفورنيا، عقب تصاعد الجدل حول مقترح لفرض ضريبة ثروة لمرة واحدة بنسبة 5% على من تتجاوز ثرواتهم مليار دولار. ونقلت الشبكة عن وسيط العقارات الفاخرة جوليان جونستون، أن بعض الأثرياء انتقلوا إلى فلوريدا "خلال سبعة أيام فقط"، بعد شراء عقارات وإتمام إجراءات الإقامة القانونية خارج كاليفورنيا. وقال جونستون إن وتيرة الانتقال تسارعت بشكل لافت، موضحاً أن اثنين آخرين وصلوا إلى ميامي، وأتموا شراء عقاراتهم وأغلقوا الصفقات خلال سبعة أيام فقط، معتبراً أن تلك اللحظة شكلت نقطة التحول الحاسمة. وأوضح جونستون، الذي يعمل حالياً على ترتيبات انتقال ثلاثة مليارديرات من ولاية كاليفورنيا إلى جنوب ولاية فلوريدا، أن عامل الاستعجال كان مدفوعاً بمخاطر مالية ضخمة، مشيراً إلى أن حجم الخسائر المحتملة لعب دوراً مباشراً في تسريع قرارات الرحيل. وأضاف: "قال لي أحد العملاء صراحة إن هذه الضريبة قد تعني له عبئاً يناهز خمسة مليارات دولار"، واستطرد قائلاً: "ولهذا السبب تحديداً، قرروا الانتقال دون انتظار". وبيّن جونستون أن النقاشات الأولى حول الهجرة بدأت خلال فعاليات معرض فني عالمي أقيم في ميامي مطلع ديسمبر/ كانون الأول الماضي، ثم امتدت لاحقاً إلى تجمعات الأثرياء خلال عطلة نهاية العام في جزيرة سانت بارتس. وأشار إلى أن المليارديرات كانوا يجتمعون ويتبادلون الحديث حول المقترح الضريبي الجديد، ومع تسارع خطواته، أدركوا ضرورة التحرك السريع، سواء عبر استئجار مساكن أو شراء عقارات خارج كاليفورنيا، بهدف تأسيس إقامة قانونية جديدة وتقليص تعرض ثرواتهم الصافية للضريبة المقترحة. وتابع قائلاً إن دائرة القرار كانت ضيقة ومترابطة، إذ إن جميع المعنيين أصدقاء، ويتحركون ضمن شبكة واحدة، موضحاً أن نقطة التحول الحقيقية جاءت عندما أقدم أربعة أو خمسة منهم على الشراء الفوري، بينما كان ثلاثة آخرون على وشك توقيع العقود، في حين أن بقية أصدقائهم كانوا موجودين أصلاً في فلوريدا. وأضاف أن النقاش لم يقتصر على المساكن فقط، بل شمل أيضاً مقار ومباني مكتبية. وأكد جونستون أن سرعة ما جرى فاقت التوقعات حتى بالنسبة إلى أصحاب الثروات أنفسهم، مضيفاً: "ما حدث كان سريعاً للغاية". وأوضح أنه مع دخول يناير/ كانون الثاني 2026، بدأت وتيرة الانتقال تتباطأ نسبياً، محذراً من أن من لم يستأجر أو يشترِ قبل نهاية العام الماضي قد يكون قد تجاوز المهلة الحاسمة، وقد يجد نفسه خاضعاً للضريبة المقترحة مهما كانت قراراته اللاحقة. ويطرح تزامن انتقال المؤسسات المالية الكبرى مع خروج أصحاب الثروات الضخمة تساؤلات متزايدة عن مستقبل القاعدة الضريبية في ولايات مثل نيويورك وكاليفورنيا، التي تعتمد كثيراً على إيرادات الشرائح الأعلى دخلاً. ومع تصاعد الضغوط الضريبية ومحاولات تشديد الرقابة على تغيير الإقامة، يبرز خطر الدخول في حلقة مفرغة قد تسرع من وتيرة النزوح بدل الحد منه. ومع استمرار الجدل حول ضرائب الثروة والدخل في ولايات أخرى، يبدو أن نزوح رؤوس الأموال بات عاملاً مؤثراً في إعادة رسم الخريطة الاقتصادية للولايات المتحدة خلال السنوات المقبلة.

أخبار ذات صلة.

( نوافذ يمنية) محرك بحث إخباري لا يتحمل أي مسؤولية قانونية عن المواد المنشورة فيه لأنها لا تعبر عن رأي الموقع..

جميع الحقوق محفوظة 2026 © نوافذ يمنية