تحولات قاسية في وسائل النقل بغزة
عربي
منذ يومين
مشاركة
لم تعد مركبة الأجرة هي المشهد اليومي المعتاد في شوارع قطاع غزة، كما كانت قبل الحرب المدمرة التي أتت على كل شيء، بل حلّت مكانها وسائل نقل بديلة فرضتها الظروف القاسية، من سيارات تجر مجرورات تعرف محليا باسم "العجلاه"، إلى عربات تجرها الدواب، وصولا إلى مركبات متهالكة أُعيد إحياؤها بجهود فردية، في محاولة يائسة لإبقاء شريان الحياة متدفقا بين المحافظات. ولم تترك الحرب الأخيرة أثرها على البيوت والمنشآت فحسب، بل أصابت قطاع المواصلات في مقتل، إذ دُمّرت أعداد هائلة من المركبات، وتحولت الشوارع إلى ركام وحفر، ما جعل التنقل اليومي للمواطنين رحلة شاقة ومكلفة ومحفوفة بالمخاطر، في ظل شح المركبات وغياب البدائل الآمنة. ومع ارتفاع أسعار الوقود وقطع الغيار إلى أكثر من ستة أضعاف ما كانت عليه قبل الحرب، وجد السائقون والركاب أنفسهم أمام واقع جديد، تغيرت فيه آلية النقل بالكامل، وباتت الوسائل البدائية والمستحدثة خيارا اضطراريا، في مشهد يعكس عمق الأزمة الإنسانية والاقتصادية التي يعيشها القطاع. الدواب والـ"عجلاه" في شوارع غزة، لم يعد مستغربا أن ترى "عجلاه" تجرها مركبة، محملة بعشرات الركاب، أو عربة تجرها دابة تشق طريقها بصعوبة بين الأنقاض. هذه الوسائل التي كانت هامشية أو شبه منعدمة قبل الحرب، أصبحت اليوم جزءا من المشهد اليومي، فرضها تدمير البنية التحتية وغياب وسائل النقل التقليدية. وكذلك زاد الدمار الواسع في الطرق والشوارع من تعقيد المشهد، إذ باتت كثير من الطرق غير صالحة للمركبات الصغيرة، ما دفع السائقين لاستخدام مركبات أكثر تحملا أو اللجوء إلى حلول بدائية تضمن الوصول ولو ببطء وخطر. وقال السائق عماد الغريز، صاحب باص صغير ينقل الركاب من مدينة غزة إلى مخيم النصيرات وسط القطاع، إن مركبته لم تنجُ من الحرب، "تعرضت لأضرار كبيرة بفعل القصف والشظايا وتوقفت عن العمل لفترة طويلة، لكن لم يكن أمامي خيار سوى إصلاحها بما توفر". وأضاف الغريز لـ"العربي الجديد": "عملية الإصلاح كانت شاقة ومكلفة، اعتمدت على قطع غيار مستعملة، وبعضها غير مناسب أصلا، لكننا نُجبر على تركيب أي شيء يعيد المركبة إلى الحركة". وأشار إلى أن كل رحلة باتت مغامرة حقيقية، بوجود شوارع مدمرة وحفر عميقة وركام يعيق الحركة ويعرض الركاب للخطر. ولفت إلى أن الوقود أزمة بحد ذاته، سعره تضاعف أكثر من ست مرات، وأحيانا نضطر لرفع الأجرة رغم معرفتنا بظروف الناس الصعبة، مؤكدا أن السائقين يعملون تحت ضغط نفسي واقتصادي هائل، "لكننا نواصل لأن الناس بحاجة للتنقل ونحن بحاجة لجلب رزقة أطفالنا". وذكر كذلك أن مركبته المهترئة أصبحت مصدر رزقه الوحيد، "وكل يوم أخرج بها وأنا لا أعلم إن كانت ستعود سالمة أم ستتعطل في منتصف الطريق". أزمة الفكة في حين، يعمل الفلسطيني إبراهيم قداس، محصلا للأجرة على "العجلاه" التي تجرها سيارة، وتنقل الركاب من مخيم النصيرات إلى مدينة خانيونس جنوب القطاع، قائلا إن هذا النوع من النقل لم يكن مألوفا بهذا الشكل، "لكن الحرب فرضته أمراً واقعاً". ويشكو قداس لـ"العربي الجديد" من صعوبة العمل اليومية: "نعاني من أزمة الفكة، فالركاب يدفعون بأوراق نقدية كبيرة ولا نجد ما نعيده لهم، ما يخلق توترا ومشاكل يومية، كما أن حركة السير بطيئة جدا بسبب الدمار الواسع في الطرق". وأشار إلى أن الازدحام الشديد يضاعف المعاناة، "الطرق قليلة وخيام النازحين منتشرة على جنبات الطريق، والمركبات تسير ببطء شديد، أحيانا تستغرق الرحلة التي كانت مدتها نصف ساعة أكثر من ساعة ونصف". ولفت إلى أنه رغم كل الصعوبات، تبقى "العجلاه" وسيلة نقل أساسية للفقراء والنازحين رغم مخاطرها، لأنها الأرخص مقارنة بغيرها حتى وإن كانت أقل أمانا وراحة. تدمير 60% من المركبات بدوره، أكد المتحدث باسم وزارة النقل والمواصلات في قطاع غزة، أنيس عرفات، أن أكثر من 60% من المركبات تعرضت للتدمير جراء الحرب على غزة، مشيرا إلى أن حجم الخسائر كبير جدا ويشمل المركبات والورش ومحطات الوقود والبنية التحتية. وقال عرفات في حديث سابق لـ"العربي الجديد" إن ارتفاع أسعار المواصلات يعود إلى مجموعة من الأسباب، أبرزها شح الوقود وارتفاع أسعاره بشكل كبير وزيادة تكلفة قطع غيار السيارات، بجانب التدهور الكبير في حالة الطرق. وإلى جانب الدمار الكبير في الشوارع، لفت عرفات إلى أنه جرى تدمير أكثر من 90% من إشارات المرور الضوئية وأعمدة الإنارة، مما جعل الحركة في الشوارع خطرة للغاية، خصوصا مع توقف إشارات التحذير والإرشادات المرورية التي كانت تنظم حركة السير في المناطق المكتظة. وتعيش غزة أزمة حادة في المواصلات، عنوانها الارتفاع غير المسبوق في أسعار قطع الغيار، إذ ارتفع الاحتياطي اليومي للصيانة من 10 شواكل إلى 150 شيكلا ( الدولار يساوي 3.14 شواكل)، وارتفعت أقل أجرة مواصلات من شيكل واحد إلى 5 شواكل. وتفاقمت الأزمة مع سماح الاحتلال بإدخال أقل من 5% من احتياجات السوق من قطع الغيار، معظمها غير أصلية، إضافة إلى "تنسيقات" قد تصل إلى 3 ملايين شيكل للشاحنة الواحدة، ما يثقل كاهل السائقين والمواطنين على حد سواء.

أخبار ذات صلة.

( نوافذ يمنية) محرك بحث إخباري لا يتحمل أي مسؤولية قانونية عن المواد المنشورة فيه لأنها لا تعبر عن رأي الموقع..

جميع الحقوق محفوظة 2026 © نوافذ يمنية