عربي
لم يكن الاجتماع السنوي للمنتدى الاقتصادي العالمي في دافوس هذا العام مجرد محطة تقليدية لتبادل الرؤى حول النمو والاستثمار والحوكمة، بل تحول إلى ساحة مكشوفة لانقلاب اقتصادي في قواعد الخطاب والاصطفاف العالميين. فمع اقتراب وصول الرئيس الأميركي دونالد ترامب إلى المنتجع السويسري، تصاعد التوتر داخل القاعات المغلقة وعلى المنصات العامة، وسط شعور أوروبي متزايد بأن النظام الاقتصادي الذي حكم العلاقات عبر الأطلسي لعقود بات مهدداً، وأن "روح الحوار" التي اختارها المنتدى الاقتصادي العالمي شعاراً لهذا العام تواجه اختباراً غير مسبوق. ودخل قادة أوروبا إلى دافوس وهم تحت وقع أحدث مناورة سياسية واقتصادية من واشنطن، بعدما لوح ترامب بفرض رسوم جمركية على دول أوروبية تعارض مسعاه لضم غرينلاند، الإقليم المتمتع بالحكم الذاتي التابع للدنمارك.
ولم يكن تهديد ترامب رمزياً، بل حمل رسالة مباشرة إلى الأسواق والشركات مفادها أن التجارة باتت أداة ضغط سيادي، وأن التحالفات التقليدية لم تعد خطوطاً حمراء. هذا التحول أربك المزاج العام في دافوس. فبدل النقاشات المعتادة حول سلاسل الإمداد والتحول الأخضر، انصب اهتمام الوفود الأوروبية على كيفية احتواء التصعيد الأميركي دون الانزلاق إلى مواجهة تجارية مفتوحة، في وقت تعاني فيه القارة تباطؤاً اقتصادياً وضغوطاً مالية متزايدة. ويرى محللا الشؤون الاقتصادية في وكالة بلومبيرغ الأميركية، سريدار ناتاراجان ومارك بيرغن أن دافوس 2026 لم يعد يعكس مجرد حالة قلق عابرة في الأسواق، بل يكشف انتقالاً فعلياً إلى مرحلة جديدة من الاقتصاد العالمي تتآكل فيها القواعد التي حكمت التجارة والعولمة لعقود.
فسياسات الرئيس ترامب، كما يقدمها المحللان، لم تكتفِ بإرباك الحلفاء أو إعادة ترتيب الأولويات، بل أحدثت صدمة هيكلية دفعت النخب السياسية والاقتصادية إلى التعامل مع عالم تحكمه القرارات الفجائية، والرسوم الجمركية، وتسييس التكنولوجيا وسلاسل الإمداد. وفي هذا السياق، تحول دافوس من مساحة لبناء التوافقات إلى ساحة لرصد موازين القوة الجديدة، إذ بات السؤال المركزي ليس كيف نحافظ على النظام القائم، بل كيف نتكيف مع نظام يتشكل على وقع الصدام وعدم اليقين.
أوروبا تبحث عن جبهة موحدة
في مواجهة هذا المشهد، حاول القادة الأوروبيون إظهار قدر من التماسك السياسي، غير أن تصريحات الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون كانت الأكثر وضوحاً، إذ شدد في خطاب له في المنتدى، أول أمس الثلاثاء، على أن الاتحاد الأوروبي لا ينبغي أن ينحني لقانون الأقوى. وقال ماكرون إن أوروبا لن تستسلم أمام المتنمرين أو تخضع للترهيب، في انتقاد لاذع لتهديد نظيره الأميركي دونالد ترامب بفرض رسوم جمركية باهظة إذا لم تسمح له أوروبا بالسيطرة على غرينلاند، وفق "رويترز". واعتبر الرئيس الفرنسي أن مجرد التفكير في استخدام أدوات الردع التجاري ضد الولايات المتحدة يعكس مدى خطورة اللحظة الراهنة. وحذر ماكرون من عالم تكسر فيه القواعد وتفرض فيه الإرادات بالقوة الاقتصادية. وقال: "نفضل الاحترام على المتنمرين... ونفضل سيادة القانون على الوحشية".
وجاءت تصريحات ماكرون بعدما هدد ترامب بفرض رسوم جمركية ضخمة على النبيذ والشمبانيا الفرنسية ونشر رسائل أرسلها إليه ماكرون على نحو شخصي، وهو خرق غير معتاد للحصافة الدبلوماسية. وكان ترامب تعهد يوم السبت الماضي بتطبيق موجة من الرسوم الجمركية المتزايدة اعتباراً من أول فبراير/شباط على عدد من الحلفاء الأوروبيين، بمن فيهم فرنسا، إلى أن يسمحوا للولايات المتحدة بالاستحواذ على غرينلاند، وهي خطوة نددت بها دول الاتحاد الأوروبي الكبرى ووصفتها بالابتزاز. ومن المقرر أن يعقد الاتحاد الأوروبي، غداً الخميس، قمة طارئة بخصوص غرينلاند. وقد تفرض رسوم جمركية في السادس من فبراير/ شباط على سلع أميركية قيمتها 93 مليار يورو، والتي استبعدها الاتحاد الأوروبي عندما وافق ترامب على اتفاق تجاري مع التكتل في الصيف الماضي.
ومن دون الإشارة مباشرة إلى ترامب، شددت رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين على ضرورة الاستجابة للتحولات الزلزالية التي يشهدها العالم، وقالت إنّ سرعة التغيرات وحجمها دفعا إلى إجماع داخل أوروبا حول الاستقلال. وقالت في خطابها بالمنتدى: "حان الوقت لاغتنام هذه الفرصة وبناء أوروبا جديدة مستقلة". من جانبه، قال رئيس الوزراء البلجيكي، بارت دي ويفر، إن التكتل المؤلف من 27 دولة يقف عند مفترق طرق، إذ يتعين عليه أن يقرر كيفية الخروج من وضع سيئ للغاية بعد محاولة استرضاء ترامب للحصول على دعمه في حرب أوكرانيا. وأضاف خلال جلسة نقاش في المنتدى: "لذا ينبغي أن نتحد وأن نقول لدونالد ترامب: إنك تتجاوز الخطوط الحمراء هنا. إما أن نقف معاً وإما سنقف منقسمين". وقالت نائبة رئيس الوزراء السويدي إيبا بوش لـ"رويترز" إن محاولات كسب ترامب عبر التملق، كما حاول بعض القادة الأوروبيين في السابق، لن تنجح. وأضافت: "على الاتحاد الأوروبي أن يشدد موقفه ويحافظ على خطه" مشيرة إلى أن التكتل في حاجة إلى إبقاء خيارات الرد التجاري جاهزة.
انقسام أوروبي تحت السطح
وتواجه الحكومات الأوروبية، التي تعاني أصلاً تصاعد تحديات الأحزاب الشعبوية والقومية، خلافات حول كيفية الرد على تهديد الرسوم الجمركية، مع الحفاظ في الوقت ذاته على دعم الولايات المتحدة لأوكرانيا. وقال بعض كبار المصرفيين والتنفيذيين في دافوس، الذين تحدثوا لـ"رويترز" شريطة عدم الكشف عن هوياتهم، إنهم يرون أن رد فعل القادة الأوروبيين على تحركات ترامب كان عاطفياً أكثر منه براغماتياً. وأشار اثنان منهم إلى أن القارة في حاجة إلى النظر إلى ما هو أبعد من أسلوب الرئيس الأميركي في إيصال رسائله، والانخراط في تفاوض. وقال أحد كبار المصرفيين: "لكنهم لا يريدون حتى خوض هذا الحوار، لأنهم مستاؤون للغاية من الأسلوب. ومن ثم، ما لديك في أوروبا هو توازن دقيق جداً لقارة لا تستطيع التحرك معاً".
وفي المقابل، أعرب وزير الخزانة الأميركي سكوت بيسنت عن ثقته في أن الولايات المتحدة والدول الأوروبية ستتوصل إلى حل وتتجنب ما حذر البعض من أنه قد يتحول إلى حرب تجارية مطولة. وقال: "لماذا نقفز إلى هذا السيناريو؟ لماذا تأخذون الأمر إلى أسوأ الاحتمالات؟ هدئوا من الهستيريا. خذوا نفساً عميقاً". وخلال حديثه على هامش المنتدى الاقتصادي العالمي، أمس الأربعاء، تجاهل سكوت بيسنت مزاعم تفيد بأن مستثمرين أوروبيين، مثل صناديق التقاعد الدنماركية، قد ينسحبون من سوق الدين الحكومي الأميركي رداً على محاولة ترامب ضم غرينلاند. وقال بيسنت: "حجم استثمارات الدنمارك في سندات الخزانة الأميركية، مثل الدنمارك نفسها، غير ذي صلة". وأضاف: "إنه أقل من 100 مليون دولار. لقد كانوا يبيعون سندات الخزانة منذ سنوات. أنا غير قلق على الإطلاق".
وألقى بيسنت باللوم على ما وصفه بـ "وسائل الإعلام المزيفة، بقيادة فاينانشال تايمز" في تضخيم تقرير صادر عن "دويتشه بنك" أشار إلى أن أوروبا قد تصبح أقل استعداداً للاستمرار في شراء الدين الحكومي الأميركي، في ظل الأزمة المتعلقة بملكية الجزيرة القطبية. وقال بيسنت للصحافيين إن الرئيس التنفيذي للبنك الألماني اتصل به ليؤكد أن البنك لا يتبنى النتائج الواردة في التقرير. ووصف بيسنت تصريحات ماكرون وفون دير لاين بأنها تحريضية، واقترح أن يركز الرئيس الفرنسي على القضايا الداخلية بدلاً من الدفع نحو مهمة لحلف شمال الأطلسي (ناتو) في غرينلاند.
وقال بيسنت: "إذا كان هذا كل ما لدى الرئيس ماكرون ليقوم به في وقت تعاني فيه الموازنة الفرنسية الفوضى، فأقترح عليه أن يركز على أمور أخرى تهم الشعب الفرنسي". وجاءت تصريحات بيسنت في الوقت الذي كان فيه ترامب متجهاً إلى دافوس متأخراً عن الجدول الزمني، بعدما سبَّب عطل في طائرة الرئاسة الأميركية تأخيرَ الرئيس بنحو ثلاث ساعات.
ودعا بيسنت القادة المجتمعين في دافوس إلى عدم إظهار غضب انعكاسي ومرارة، وحثهم بدلاً من ذلك على انتظار وصول ترامب والاستماع إلى حججه بشأن سبب وجوب امتلاك الولايات المتحدة غرينلاند. وأضاف: "أعتقد أنهم سيقتنعون".
هل تتجه أوروبا نحو الصين؟
ووسط هذا التوتر الأوروبي الأميركي، قدمت الصين نفسها في المنتدى شريكاً اقتصادياً مستقراً يرفض الحمائية ويدعو إلى الانفتاح التجاري. وقال نائب رئيس مجلس الدولة الصيني خه لي فنغ، من دون أن يذكر دولة بعينها: "الممارسات الأحادية والاتفاقيات التجارية لبعض الدول انتهكت بوضوح المبادئ والقواعد الأساسية لمنظمة التجارة العالمية، وألحقت ضرراً بالغاً بالنظام الاقتصادي والتجاري الدولي". وأضاف في خطابه: "الصين شريك تجاري لجميع الدول وليست خصماً لها، وتنمية الصين تمثل فرصة وليست تهديداً للتنمية الاقتصادية العالمية". وتابع: "الصين مستعدة للاستفادة من سوقها الضخمة للغاية، وتوسع الواردات بوتيرة أكثر قوة".
وقال: "نحن لا نرغب فقط في أن نكون مصنع العالم، بل بحماس أكبر، نرغب في أن نكون سوق العالم". وساعد الطلب القوي على السلع المصنعة في الصين، خلال العام الماضي، ثاني أكبر اقتصاد في العالم على تجاوز التحديات الناجمة عن السياسات التجارية المتقلبة للرئيس الأميركي وضعف المبيعات المحلية. غير أن اعتماد الصين على الصادرات خلق فائض طاقة إنتاجية هيكلياً، وعرضها لاحتمال ردات فعل من دول تسعى إلى حماية قطاعاتها الصناعية المحلية. من جانبه، قال الرئيس التنفيذي لشركة سويتك الفرنسية للطاقة المتجددة، نيكولا إيوز، إن شركته قد تفكر في الاستثمار في الصين في ضوء الرسائل الصادرة عن بكين. وأضاف: "السؤال هو: هل نستطيع؟ هل يمكننا الذهاب إلى هناك وحماية ملكيتنا الفكرية وحماية استثماراتنا؟ وكيف يتم التواصل ثقافياً؟".
ومع كل هذه التطورات، بدا اختيار المنتدى الاقتصادي العالمي لشعار "روح الحوار" هذا العام متناقضاً مع الواقع داخل القاعات. فالحوار، وإن ظل حاضراً شكلياً، جرى في مناخ مشحون بالتهديدات والتلويح بالإجراءات العقابية. وهذا التناقض أثار تساؤلات حول قدرة دافوس على لعب دوره التقليدي منصةً للتقريب بين المواقف، في عالم يتجه بسرعة نحو الاستقطاب. وعند كثير من المشاركين، لم يعد دافوس مكاناً لصياغة توافقات كبرى، بل ساحة لقراءة موازين القوى الجديدة. فالانقلاب الاقتصادي الذي تجلى هذا العام لا يتمثل في حدث واحد، بل في تراكم قرارات وتصريحات تعيد تعريف العلاقة بين السياسة والاقتصاد.

أخبار ذات صلة.
"قسد"... سيرة أداة
العربي الجديد
منذ 48 دقيقة