عربي
يتفق الجزائريون في الغالب، أو يختلفون قليلاً، بشأن فترة حكم الرئيس الراحل هواري بومدين (1965-1978). للرجل ما له وعليه ما عليه، لكنه يبقى ثابتاً بحقائق التاريخ، أنه كان ذو نزعة وطنية في ظروف شديدة الصعوبة، سعى إلى بناء دولة قاعدية في اتجاهيين أساسيين، ترميم فجوة أحدثتها السياسات الاستعمارية على صعيد الصحة والتعليم والتأهيل العمراني، وبناء قاعدة اقتصاد وطني بتركيز نسيج مهم من المصانع والمنشآت الكبرى وتطوير الزراعة، بما توفر للجزائر في سنواتها الأولى من الاستقلال.
تعود صورة بومدين هذا الأسبوع في الجزائر، بمناسبة تحقيق حلم راود الرجل منذ بداية سبعينيات القرن الماضي، ولم يستطع إنجازه قبل وفاته؛ استغلال منجم غار جبيلات، ثالث أكبر منجم للحديد في العالم، لكنه يتحقق الآن بمناسبة بدء تشغيله في 25 يناير/كانون الثاني الحالي. ظل هذا المنجم معزولاً وغير مستغل، بسبب الجغرافيا المعقّدة وقربه من منطقة النزاع في الصحراء، والكلفة الكبيرة لنقل خام الحديد، والتي لم تكن لتسمح باستغلاله، إلا بعد أن توفرت الظروف المناسبة لمد سكة حديد تصل إلى المنجم على مسافة تقارب الألف كيلومتر، تدخل الخدمة نهاية الشهر الحالي. لم يكن هذا الإنجاز ببسيط، لكنه سيفتح للجزائر آفاقاً كبيرة في توسيع الأفق الاقتصادي وخطوة لتحرير الاقتصاد من ريع المحروقات، حتى وإن كانت المسألة ما زالت بالضرورة بحاجة إلى جهد كبير وتدبير أفضل للسياسات الاقتصادية، وتوظيف أكثر حكمة للمقدرات كافة.
رغم هذه الأهمية، هناك ما هو أهم بكثير من الناحية الاستراتيجية، من استغلال المنجم بحد ذاته، هو وصول سكة الحديد إلى منطقة معزولة أقصى الجنوب، وإلى تخوم منطقة بالغة الحساسية بالنسبة لخاصرة الجوار الجزائري، وهذا أكثر أهمية على صعيد التأثيرات الإيجابية لوصول القطار إلى هذه المنطقة الجنوبية، من حيث تخليق الحيوية الاجتماعية والتجارية، وبما يسهم في تحقيق مقتضيات التنمية المتوازنة والاستقرار المناطقي، ويعزز موجبات سد الفراغ الجغرافي والسكاني الذي تعاني منه المناطق الجنوب، وهذه ركيزة أساسية في هندسات الأمن التقليدي.
بعض الأحلام تتحقق ولو بعد حين، وبعض الحكمة تأتي ولو متأخرة. في غضون السنوات الأخيرة، انتبه مجتمع الحكم والنخب السياسية في الجزائر إلى خطورة فراغ الجغرافيا السكانية في الجنوب، وكان لزاماً إعادة توجيه جزء من السياسات التنموية إلى هذه المناطق، لإعادة تأهيلها اجتماعياً واقتصادياً، وسياسياً وأمنياً، عبر إحداث نقل تدريجي لقسط من الثقل الاقتصادي إلى الجنوب، خصوصاً أنه ينطوي على مقدرات كبيرة، تتجاوز الصورة التقليدية التي طالما اختصرت الصحراء في رمل وخيمة وبئر نفط، ويمكن أن يتحول إلى بيئة نشطة ومستقطبة للتمركز السكاني والاقتصادي، حالما تتوفر ضرورات الحياتية.
كان لا بد من أن يتم التفكير في ربط الشمال بالجنوب البعيد في الجزائر، إلى حدود ألفي كيلومتر، بالطرق وبسكة الحديد، والتي يمكن التفكير لاحقًا في مدها نحو موريتانيا ومالي والنيجر، وبكل الوسائل الممكنة التي تنهي العزلة، وتيسر تنقل الأفراد، وتسرّع حركة السلع والبضائع، وتخلق الديناميكيات الاجتماعية والاقتصادية، بل وتجعل من الجنوب الجزائري للتجارة - معززاً بالروابط الثقافية - منطقة خضراء، وممراً حيوياً نحو دول الساحل وغرب أفريقيا.
