عربي
يرفض الاحتلال الإسرائيلي فتح معبر رفح البري الذي يربط قطاع غزة بمصر على الرغم من الإعلانات المتكررة من قبل جميع الأطراف الفلسطينية والأوروبية والمصرية بفتح المنفذ الرئيسي للفلسطينيين على العالم الخارجي. ويتذرع الاحتلال بأسباب وحجج متنوعة منذ احتلال المعبر في مايو/أيار 2024، كانت في بدايتها السيطرة على ما يعرف بمحور صلاح الدين (فيلادلفي) وصولاً إلى عدم تسليم حركة حماس الجثة الأخيرة للجنود الإسرائيليين المتبقية لديها جثة الجندي ران غويلي.
ووفقاً لما ذكرته صحيفة يديعوت أحرونوت العبرية، أول من أمس، فإن القرار الأخير للمجلس الوزاري المصغر، الذي انعقد الأحد الماضي، كان عدم فتح معبر رفح البري والإبقاء عليه مغلقاً إلى حين تسليم حركة حماس جثة الأسير الإسرائيلي المذكور. ولم يعمل معبر رفح البري بشكل كامل منذ احتلاله في مايو 2024، باستثناء الفترة ما بين يناير/كانون الثاني حتى مارس/آذار 2025 بموجب اتفاق الدوحة الذي تنصلت منه إسرائيل وعادت للحرب على القطاع، واقتصر العمل في حينه على الخروج من القطاع. وإبان تلك الفترة كان المعبر تحت السيطرة الإسرائيلية والتحكم في أعداد المسافرين من خلال الموافقة الأمنية المسبقة على أسماء الجرحى والمرضى، وهو ما جعل معبر رفح يعمل بعدد بسيط للغاية طوال تلك الفترة.
في المقابل لم يعمل معبر رفح باتجاه العودة، حيث يوجد عشرات الآلاف من الفلسطينيين العالقين في مصر، الذين غادرت غالبيتهم القطاع هرباً من الحرب التي شنتها إسرائيل وبحثاً عن حياة آمنة. ويقتصر سفر الفلسطينيين خلال الفترة الحالية على الخروج من خلال معبر كرم أبو سالم مروراً بمطار رامون الإسرائيلي، أو عبر السفر تجاه الأردن ومنها يتم إجلاء المرضى نحو عدة دول عربية وأوروبية للعلاج. ويوم الاثنين الماضي دعا وزير المالية في الحكومة الإسرائيلية، بتسلئيل سموتريتش إلى احتلال قطاع غزة بالكامل، إلى جانب فتح معبر رفح، سواء بموافقة مصر أو رغماً عنها، لتهجير سكان القطاع نحو العالم الخارجي.
ربط ملف معبر رفح بمفهومي "الانتصار والسيادة"
سليمان بشارات: ملف معبر رفح لا يمكن فصله عن حسابات داخلية معقّدة لدى نتنياهو
ويرى الباحث المختص في الشأن الإسرائيلي سليمان بشارات أن ملف معبر رفح لا يمكن فصله عن حسابات داخلية معقّدة لدى رئيس الحكومة الإسرائيلية بنيامين نتنياهو، ولا عن الرؤية الإسرائيلية الأشمل لمفهومي "الانتصار والسيادة" على غزة. ويقول بشارات، لـ"العربي الجديد"، إن نتنياهو ربط مسألة فتح معبر رفح باعتبارين أساسيين، أولهما داخلي مرتبط بتعهده أمام شركائه في الائتلاف الحكومي اليميني، وعلى رأسهم وزراء متطرفون، بتحقيق ما يسميه "الانتصار"، وأي تراجع عن هذا السقف، بما في ذلك القبول بفتح معبر رفح، قد يُفسَّر داخل حكومته تراجعاً سياسياً، ما يفتح الباب أمام تفكك الائتلاف أو انسحاب شركائه، وربما إسقاط الحكومة. ويضيف أن نتنياهو يسعى إلى إطالة أمد بقاء حكومته لأطول فترة ممكنة قبل التوجه إلى الانتخابات، محاولاً الوصول إليها في التوقيت والآلية والمنهجية التي تضمن له أفضل فرصة للبقاء في الحكم.
ويبين أن هذا ما يفسر رفضه الذهاب إلى المرحلة الثانية من اتفاق وقف إطلاق النار، وتحويل المرحلة الماضية برمتها إلى ما يشبه "حالة استثمار سياسي"، حتى في ظل إعلان البيت الأبيض والرئيس الأميركي دونالد ترامب عن المرحلة الثانية، وتشكيل لجان إدارية وتنفيذية، إذ سارع نتنياهو إلى التصريح بأنه لم يكن مطلعاً على بعض التفاصيل أو آليات المشاركة.
ويعتبر بشارات أن هذا الخطاب يندرج ضمن محاولة نتنياهو التنصل من أي مسؤولية سياسية داخلية قد تُحسب عليه في حال توصيف المرحلة باعتبارها فشلاً، مؤكداً أن رئيس حكومة الاحتلال لا يريد أن يُسجَّل عليه أي موقف قد يؤثر سلباً في مستقبله السياسي، سواء من خلال التراجع أو إظهار الندم. ووفقاً لبشارات فإن "البعد الآخر هو مفهوم السيادة، إذ تؤكد إسرائيل حتى الآن رفضها التخلي عن أي جزئية تمس السيطرة الكاملة على قطاع غزة، بما في ذلك المعابر، ولهذا تمارس سياسة ابتزاز سياسي للأطراف كافة، بما في ذلك مصر والدول العربية والوسطاء وحتى الولايات المتحدة، من خلال رفع سقف الشروط والمطالب، بحيث يصبح ثمن فتح معبر رفح كبيراً جداً".
ويشير إلى أن النظر إلى ملف معبر رفح يجب ألا يكون سطحياً أو مبسطاً، كما تحاول إسرائيل أحياناً تصويره على أنه مسألة إجرائية أو تقنية مرتبطة بترتيبات عابرة، مشدداً على أن معادلة فتح المعبر معقدة وعميقة، وتندرج ضمن استثمار سياسي إسرائيلي يتجاوز بكثير مسألة الفتح أو الإغلاق، أو السماح بدخول الفلسطينيين وخروجهم عبر هذه البوابة الوحيدة إلى العالم الخارجي. وسبق أن أكدت حركة حماس عدة مرات أنها تريد إغلاق ملف الأسرى والجثث بشكل كامل ولا نية لديها في الاحتفاظ بجثة غويلي لديها، مؤكدة أن المعيق الرئيسي هو حالة التدمير الكبيرة التي وقعت في القطاع.
أداة ابتزاز وتحكم
من جهته، يؤكد الكاتب والمحلل السياسي وسام عفيفة أن التعامل الإسرائيلي مع المعبر لا يمكن اختزاله بوصفه منفذاً حدودياً فحسب، بل يجري توظيفه أداة ابتزاز وتحكّم في "بوابة غزة" الوحيدة غير المرتبطة مباشرةً بمعابر يسيطر عليها الاحتلال من جهة فلسطين المحتلة. ويقول عفيفة، لـ"العربي الجديد"، إنه منذ سيطرة جيش الاحتلال على الجانب الفلسطيني من معبر رفح في مايو 2024، تحوّل المعبر عملياً إلى ورقة بيد المؤسستين الأمنية والسياسية في تل أبيب، حيث يُفتح جزئياً وفق اعتبارات تحددها إسرائيل، ويُغلق كلياً عندما تريد تعظيم كلفة الضغط على قطاع غزة ومصر في آنٍ واحد.
وسام عفيفة: تحوّل المعبر إلى ورقة بيد المؤسستين الأمنية والسياسية في تل أبيب
ووفق الكاتب والمحلل السياسي، فإن إغلاق المعبر يخدم ثلاثة أهداف متداخلة، أولها تكريس السيطرة الإسرائيلية على "محور فيلادلفي/صلاح الدين" ضمن ما تسميه تل أبيب "التوجهات الأمنية الجديدة"، ومنع أي إمكانية لعودة بنية المقاومة، أما الهدف الثاني فيتمثل في إبقاء مصر تحت ضغط سياسي دائم، ومنعها من امتلاك "نفوذ سيادي" في إدارة المعبر، ففتح رفح وفق ترتيبات لا تقبلها القاهرة، مثل الفتح الأحادي باتجاه واحد أو تشغيله تحت إشراف إسرائيلي مباشر، يعني نقل الأزمة إلى الجانب المصري وإحراجه سياسياً وأمنياً، وهو ما يدفع تل أبيب إلى إبقاء الملف معلقاً بما هو ورقة مساومة بدل فتحه بشروط تُحسب لصالح مصر، خصوصاً في ظل رفض القاهرة لأي صيغ قد تُفسَّر بأنها تهجير قسري أو مقنّع.
ويذكر عفيفة أن الهدف الثالث يتمثل في منح الاحتلال "زرّ التحكم" في ملفات الإغاثة والخروج والعودة، إذ يؤدي إغلاق معبر رفح أو تشغيله بصيغ ضيقة إلى تحويل حركة المرضى والجرحى والمساعدات الإنسانية إلى أداة ضغط سياسية، تُفتح وتُغلق وفق الحسابات الإسرائيلية. ويبيّن أن هذا الواقع لا يسهّل التهجير الجماعي بشكل مباشر، لكنه يخلق بيئة ضغط خانقة قد تدفع بعض الفئات للبحث عن مخارج بديلة عند أي فتح جزئي، وهو ما ينسجم مع توجهات تيار "الهجرة" داخل حكومة اليمين، الذي يفضّل الهجرة استجابةً للانسداد لا قراراً معلناً. وفيما يتعلق باستخدام المعبر ورقة ضغط على حركة حماس، يوضح عفيفة أن رفح جزء من حزمة ضغط أوسع تشمل التحكم بالمساعدات وبالمعابر الأخرى، وربط إعادة الفتح بملف الأسرى والجثامين حتى "آخر جثة"، إضافة إلى التفاوض على تفعيل الممرات والمحاور العسكرية داخل غزة لتكون ضمانات دائمة تطالب بها تل أبيب.
ويلفت إلى أن هناك ثلاثة سيناريوهات محتملة لملف المعبر، وهي فتحٌ مُقنّن ومرحلي يقتصر على خروج المرضى والحالات الإنسانية تحت رقابة مشددة وآلية دولية؛ والثاني استمرار الإغلاق بوصفه ورقة تفاوض، مع فتحات ضيقة لتخفيف الضغط الدولي مع بقاء السيطرة الإسرائيلية على الجانب الفلسطيني؛ أما السيناريو الثالث فهو محاولة فرض فتحه باتجاه "الخروج" بما يقترب من منطق التهجير، وهو ما قد يفضي إلى اشتباك سياسي حاد مع مصر وتعقيدات دولية واسعة، لكنه لا يزال محصوراً، حتى الآن، في خطاب اليمين المتطرف.

أخبار ذات صلة.
ترامب وغرينلاند
العربي الجديد
منذ 7 دقائق
المنصات الرقمية وإعادة تشكيل الدماغ
العربي الجديد
منذ 10 دقائق