جامع عظام الموتى
عربي
منذ 3 أيام
مشاركة
لا أزال أذكر الصَّباح الذي تلا مساء وفاة جدَّتي الحبيبة، وحين ووريتِ الثرى مع وقت غروب الشمس، وعاد الرجال من المقبرة، وأحدهم يحمل معولًا علقت به بعض الرّمال الطّازجة التي خرجت من عمق الأرض، ليُوضع جثمان جدَّتي مكانها. في ذلك الصباح، شرعت نسوة من العائلة في تنظيف غرفة جدتي وغسل ثيابها وأغطيتها، وقد اجتمعن جميعهن في باحة البيت الواسعة المطلّة على الحديقة، فنادتني إحداهنَّ، وطلبت مني أن أدخل إلى غرفة جدّتي، وأسحب غطاء أخيرًا من فوق فراشها؛ لتلحقه بما غسلت من متاع. وهنا تسمّرت قدماي، وشعرت برهبة لا توصف، ودقّ قلبي حتى تخيلت أن الجميع قد يلتفت نحو صوت دقاته. وكنت حينها في العاشرة من عمري، ولديّ، خصيصًا، خوف طفولي لا يمكن وصفه من الموتى والقبور. وقد تعمّق هذا الخوف بداخلي من حكايات جدَّتي نفسها عن القبور التي تُفتح ليلًا، ومن حكايات الأطفال الذكور الملاعين من أبناء الحي، والذين يقسمون أمامي وأمام باقي البنات الصغيرات الرقيقات أن القبور تُفتح كل ليلة، وأن الموتى يعودون ليتفقدوا أشياءهم، ويعاقبون الأطفال الذين يعبثون بأشيائهم التي تركوها خلفهم. ولسوء حظي، كانت مقبرة المدينة على بُعد مسافة قريبة من بيتنا الذي يقع على أطراف المدينة. هكذا كان لدي خوف مبهم من كل ما يخص الموتى. وقد زجرتني المرأة، وشاركتها عمتي؛ لكي أسرع بإحضار الغطاء من فوق سرير جدَّتي. وهكذا كنت أستجمع شجاعتي لكي أدلف من باب الغرفة، وسحبت الغطاء بعينين مغمضتين، ووليت فرارًا، فيما علقت رائحة جدَّتي بأنفي مدة طويلة، ولاحقتني طوال اليوم، حتى كدت أصدق ما روّجه الأطفال الملاعين، وصرت أنتظر عقابًا قريبًا من جدَّتي لأنني دخلت غرفتها. كبرت يوم ضحكت على هذه الأفكار والتخيلات، ويوم نمت في فراش أمي بعد رحيلها في الليلة الأولى، وتنسَّمت رائحتها. وقد كان ذلك قاسيًا على قلبي حين رأيت كل ما يخصها كأنما كان ينتظرها، ولم ينقص منه شيء إلا هي. وقد حدث ذلك بوجع أكبر بعد رحيل أبي، وقد زاد تعلقي به بعد رحيل أمي، ثم رحل بعدها بسبع سنوات كانت كافية لكي تُبنى علاقة من نوع خاص بيني وبينه. حتى إذا ما خرج من البيت للمرة الأخيرة، وبعد أن ودّعته وبكيت فوق رأسه، وتحسّست جسده الذي لا يزال دافئًا، أدركت فعلًا أنني قد كبرت كثيرًا؛ إلى درجة أنني لم أعد أخاف من الموتى ولا من أشيائهم، وإلى درجة أنني أصبحت أُواظب على زيارة قبورهم وأجلس بينها. وحين تسيل دموعي، كانت تلك الضحكة المكتومة الساخرة تنطلق من دون إرادة مني؛ لأنني دومًا كنت أتذكر خرافات الأطفال الملاعين عن القبور والموتى. وأصبحت أتعلق بكل ما تركه الراحلون، ولا أشعر سوى بالحزن والحنين، حين ألمس نظارة أبي أو سجادة الصَّلاة الخاصة بأمي، وهما آخر ما تبقى لي منهما. وحين جاءت الحرب، حمدت الرَّب كثيرًا فلأحبتي قبور تضمّ عظامهم، ولم تُترك أجسادهم في العراء لتنهشها الكلاب الضالة، ولم تعلق بين الأنقاض؛ لأن هذا الشعور سيكون قاتلًا لمن له حبيب لم يفلح بأن يودعه بيديه القبر. حتى إذا ما رأيت المشاهد المتداولة لشاب من غزَّة، وهو يقوم بتنخيل الرمل وبقايا الأنقاض بمنخل بدائي بسيط، لكي يجمع ما تبقى من أجساد زوجته وأطفاله، فقد أدركت أن الإنسان حين يحب ويحزن على فقدان من يحب، فإنه لا يعرف معنى الخوف، وتزول من داخله مشاعر الرهبة. فذلك الشاب قام بجمع العظام النخرة، وعلى مدار 160 يومًا، وقد أزاح نحو خمسمئة طن من الركام، لكي يجمع بقايا لا تملأ كفيه، ولكنه كان يمتلك شجاعة ميّت، وهو يجمع عظام الموتى؛ لأنه سوف يضعها في قبر يزوره، وهو قبر حياته وأحلامه وفرحته التي قتلتها الحرب، وسكت العالم كله عن آخر فصولها.

أخبار ذات صلة.

( نوافذ يمنية) محرك بحث إخباري لا يتحمل أي مسؤولية قانونية عن المواد المنشورة فيه لأنها لا تعبر عن رأي الموقع..

جميع الحقوق محفوظة 2026 © نوافذ يمنية