عربي
كشفت النقاشات الجارية في مجلس الأمة الجزائري بشأن مشروع قانون تجريم الاستعمار قبل جلسة بعد غد الخميس للتصويت عليه، وجود تراجعات بشأن بعض المرتكزات السياسية المتضمنة في القانون الذي صادقت عليه الغرفة السفلى للبرلمان، في 24 ديسمبر/ كانون الأول الماضي، خاصة ما يتعلق بالتمسك باعتراف الدولة الفرنسية بالجرائم المرتكبة بحق الشعب الجزائري خلال الحقبة الاستعمارية الممتدة بين عامي 1830 و1962، والتخلي عن مطلبي الاعتذار والتعويض.
وخلال جلسة مناقشة أمس الاثنين، برزت مؤشرات واضحة إلى وجود اتفاق بين الكتل النيابية في مجلس الأمة على تعطيل ظرفي لقانون تجريم الاستعمار، إلى حين إجراء تغييرات ومراجعة لبعض البنود والصياغات، إذ أثار أعضاء المجلس المشكل أساساً من أغلبية موالية للسلطة، وقادة الكتل النيابية التي تمثل أحزاب الحزام الرئاسي، تحفظات بشأن عدم "وضوح مطلب الاعتراف الرسمي بالجرائم الاستعمارية دون الخلط مع مفاهيم الاعتذار السياسي"، ووجود "مخاطر التأويل القانوني لبعض الأحكام والانعكاسات المحتملة، ومدى كفاية الأساس القانوني لتحريك آليات المساءلة الدولية".
وأكد رئيس المجموعة البرلمانية لحزب "جبهة التحرير الوطني" الهاشمي دبابش أن المجموعة تتعامل مع هذا القانون "بروح المسؤولية لتحسين صياغته وتحصينه قانونياً، انسجاماً مع الموقف السيادي القائم على الاعتراف، دون تعويض أو اعتذار وحماية الذاكرة وتجريم الإنكار". وقال رئيس المجموعة البرلمانية للثلث الرئاسي (يعينهم رئيس الجمهورية) ساعد عروس إن "نص قانون تجريم الاستعمار يشكّل فعلاً سيادياً وشهادة دولة تهدف إلى نقل ملف الذاكرة إلى منطق المسؤولية القانونية، دون منطق الخصومة أو التعويض المادي، لكنه نص قابل للتحسين بما يعزّز مناعته القانونية ويحفظ المصالح العليا للدولة".
وفي السياق نفسه، قال رئيس المجموعة البرلمانية لحزب "جبهة المستقبل" عصام نشمة إن "الجزائر لا تطلب الاعتذار، بل الاعتراف، وتبني مستقبلها على التشريع والوضوح والسيادة"، مشيراً إلى أن "قانون تجريم الاستعمار ليس نصاً عادياً ولا موقفاً ظرفياً، بل خيار سيادي، وللمجموعة التحفظ على بعض الصياغات". كما تبنى رئيس المجموعة البرلمانية للمستقلين بطاهر لزرق التحفظات نفسها، وأكد أن "تجريم الاستعمار يهدف إلى تثبيت الحقيقة التاريخية قانونياً وحماية الذاكرة من التزييف"، مضيفاً أن "الجزائر لا تطلب تعويضاً مادياً، بل اعترافاً رسمياً بالجرائم"، مع تأكيده على دعم المجموعة لمشروع القانون والدعوة إلى تحسين صياغته.
ويتضمن قانون تجريم الاستعمار 26 مادة تتعلق بإدانة الاستعمار وجميع ممارساته، وتلزم الدولة الجزائرية "بالسعي بكل الوسائل والآليات لضمان الاعتراف والاعتذار الرسميين من طرف دولة فرنسا عن ماضيها الاستعماري، والتعويض الشامل عن جرائم الاستعمار"، باعتبارها "جريمة دولة مكتملة الأركان لا تسقط بالتقادم".
وكانت لجنة الدفاع الوطني في مجلس الأمة، التي تولت معالجة القانون، قد أعلنت في تقريرها الأولي أنها "سجّلت بعض التحفظات على أحكام النص، لا سيما ما تعلق بمسألتي التعويض والاعتذار، وإدراجهما لا ينسجم مع التوجه الذي حدّده رئيس الجمهورية والقائم على المطالبة بالاعتراف الصريح بالجرائم الاستعمارية باعتباره جوهر المسؤولية التاريخية والقانونية، دون ربط ذلك بمطالب التعويض أو الاعتذار"، وأكدت وجود توجه نحو "إعادة ضبط بعض الأحكام وتحسين صياغتها بما يعزز انسجام النص مع المقاصد السيادية التي أُعد من أجلها".
وتعني هذه التحفظات وفقا لتقاليد عمل البرلمان المرتبط مع السلطة، وجود تراجع بالنسبة للنص الذي صودق عليه في 24 ديسمبر الماضي، والسعي لحذف مطلبي الاعتذار والتعويض المادي، غير أن فكرة التخلي عن الاعتذار والتعويضات من فرنسا، ليست جديدة، فقد كان الرئيس الجزائري عبد المجيد تبون قد أعلن في خطابه أمام البرلمان في ديسمبر 2024، أن "الجزائر لا تنوي المطالبة بالتعويضات المادية، لكون أن الشهداء لا يمكن تقييمهم مادياً".
وقال تبون حينها "أنا لا أطلب من مستعمر الأمس التعويض المادي، ولكن نطلب الاعتراف بجرائمه، الشهيد الجزائري لا تعادله ملايير الدولارات، ونحن لا نطلب التعويض المالي، نحن نريد التعويض المعنوي، نريد الاعتراف بالجرائم والإبادة"، وهي تصريحات كانت قد أثارت حينها رفضاً سياسياً.
وقال الكاتب والمؤرخ محمد أرزقي فراد، لـ"العربي الجديد"، إن "الحديث السياسي عن التخلي عن التعويضات، فكرة غير موفقة، وهذه مسألة أمة وشعب، وأختلف تماماً مع فكرة التخلي عن مطلب التعويضات، كما لا يحق لأي كان أن يتنازل عن التعويضات، هذا حق تاريخي ثابت للجزائريين، التعويضات تبقى مسألة مفتوحة".
ومن شأن اعتراضات مجلس الأمة أن تؤدي إلى تعطيل ظرفي لمشروع قانون تجريم الاستعمار، إلى حين تشكيل لجنة مشتركة متساوية الأعضاء بين غرفتي البرلمان، لإعادة صياغة المواد والبنود محل اعتراض مجلس الأمة، لكون أن هذا الأخير لا يحق له دستورياً إدخال تغييرات في أي نص قانوني يصادق عليه المجلس الشعبي الوطني، إلا عبر لجنة مشتركة بين الغرفتين. وفي حال عدم وجود توافق بين الغرفتين على إعادة صياغة البنود الخلافية، فإنه يمكن للحكومة الطلب من الغرفة السفلى حسم المسألة أو سحب القانون.
