عربي
غادر فنانون إيرانيون بلادهم، لكن بلادهم لم تغادرهم،؛ فلا يزالون مهمومين بما يحدث فيها، مع خوف ازداد خلال الاحتجاجات في إيران. احتجاجات بدأت بمطالب اقتصادية واجتماعية، وتوسعت لتشمل مدناً عدة ومطالب سياسية. ومن باريس إلى لوس أنجليس، ذكّر الفنانون المنفيون بأسباب رفضهم للنظام الإيراني وعبّروا عن تضامنهم مع المحتجين في الشوارع.
خلال التسعينيات، سطع نجم المغنية الإيرانية فائقة آتشین (75 عاماً)، المعروفة باسمها الفني غوغوش. كانت تمثل حقبةً من الانفتاح على العالم في أواخر عهد بهلوي، حين احتضنت الموسيقى الشعبية والسينما والتلفزيون والأزياء الإيرانية الحداثة وتحدّت الأعراف الاجتماعية. لكن بعد الثورة الإسلامية، وجهت السلطات عام 1979 تهمة "الفساد الأخلاقي" إلى "غوغوش". سُجنت لفترة وجيزة، وصودر جواز سفرها، ومُنعت من الغناء أمام الجمهور، وكان عليها الانتظار حتى عام 2000 ليُسمح لها أخيراً بمغادرة إيران والعيش في المنفى.
مع تصاعد الاحتجاجات في إيران حالياً، وجدت غوغوش نفسها مضطرةً إلى تعليق جولتها الوداعية التي كان المعجبون ينتظرونها. وفي ديسمبر/كانون الأول الماضي، أعلنت أن "الجميع ينتظر حفلي الأخير في لوس أنجيلس، لكنني لن أغني حتى تُنقذ بلادي". وعن مشاعرها تجاه ما يحدث في بلدها الأم صرّحت لصحيفة صانداي تايمز: "أعيش ليلاً ونهاراً بمزيج من الألم والأمل".
بدوره، لطالما جمع المخرج الإيراني جعفر بناهي بين الفن والنضال ضد الرقابة. اعتُقل لأول مرة في إيران عام 2010، على خلفية فيلم أخرجه عن انتخابات 2009، وحُكم عليه بالسجن ست سنوات، لكن أُفرج عنه بكفالة بعد إضراب عن الطعام، مع منعه من السفر إلى الخارج والتحدث إلى الإعلام وصناعة الأفلام لمدة عشرين عاماً. في 2022، أُمر بقضاء عقوبة السجن بعد اعتقاله أثناء استفساره عن المخرجين محمد رسولوف ومصطفى الأحمد، اللذين اعتُقلا في خضم حملة قمع للمعارضة، ثم أُفرج عنه عام 2023 بعد سبعة أشهر إثر إضراب آخر عن الطعام.
وخلال الاحتجاجات في إيران، دعا بناهي من لوس أنجليس المجتمع الدولي إلى دعم مواطنيه للانتهاء من السلطة القائمة في طهران. وقال في مقابلة مع إذاعة فرانس إنتر، إنّ "الشعب الإيراني أعزل اليوم، ورغم كلّ شيء، فهو في الشوارع"، مُديناً ما وصفها "وحشيّة القمع". وأضاف أنّه "عندما يستخدم نظامٌ ما أسلحةً حربيّة ضدّ شعبه، أي لإحداث حمّام دم، لا يكون الهدف مجرّد إجبار الناس على العودة إلى منازلهم، ولهذا السبب يحتاج الشعب إلى مساعدةٍ ودعمٍ من المجتمع الدولي".
غادرت الرسامة نازانين بويانده (44 عاماً) إيران عام 1999، بعد عام من اغتيال والدها، الكاتب محمد جعفر بويانده. تتابع على هاتفها المظاهرات في إيران، وتقول صحيفة لوموند إنها عبر هاتفها كذلك تشاهد قمع الاحتجاجات في بلدها الأم، تصل رسائل من إيران لتخبرها باقتحام المباني وتحطيم ما فيها لترهيب من يُرددون الشعارات من النوافذ، قبل أن ينقطع الإنترنت وتمر أيام من دون أخبار، ثمّ تستطيع التحدث مجدداً إلى أهلها لبضع دقائق فقط.
أما غولشيفته فراهاني، فهي ممثلة إيرانية ممنوعة من دخول بلادها. وخلال الاحتجاجات في إيران وصفت البلاد بأنها "تشتعل من جديد". كتبت على "إنستغرام": "لقد قاوم شعب إيران الجمهورية الإسلامية منذ عام 1979. 46 عاماً من المقاومة. آلاف القتلى والمعذبين والمعدمين". وأضافت أن الضرر البشري والثقافي كان بالغاً على إيران لدرجة أنه "لا يمكن لأي نظام أن يدمر إيران بهذه الطريقة حتى لو كان ذلك عن قصد".
وفي ظلّ استمرار التوتر داخل إيران، وتزايد الضغوط الخارجية، وترقبٍ حذر لمسار الاحتجاجات، وسط حديث عن تراجع مؤقت في احتمالات التصعيد العسكري مع الولايات المتحدة، تقول بويانده إنها تعيش في قلقٍ عميق، وتخلد إلى النوم خائفة من أن تستيقظ فتجد أن الأسوأ قد حدث. وعلى وسائل التواصل الاجتماعي كتب بناهي: "لا رجعة إلى الوراء".
