سورية: الأمطار تحيي آمال مزارعي إدلب بعد سنوات من الجفاف
عربي
منذ ساعة
مشاركة
بعد مواسم متتالية من الجفاف وشح الأمطار، حملت المنخفضات الجوية الأخيرة بارقة أمل لمزارعي الزراعة البعلية بمحافظة إدلب في سورية، الذين يعتمدون بصورة شبه كاملة على مياه الأمطار في زراعة القمح والشعير والبقوليات، ومع تساقط كميات جيّدة من الأمطار خلال الأسابيع الماضية، عادت الأرض لتتنفس من جديد، وبدأت مؤشرات موسم زراعي أفضل تلوح في الأفق، رغم استمرار المخاوف من تقلبات الطقس وارتفاع تكاليف الإنتاج. ورغم التفاؤل الحذر، يتفق المزارعون على أن الأمطار الأخيرة أعادت شيئاً من الثقة بالأرض، وكسرت حالة الإحباط التي خلفتها سنوات الجفاف، فبالنسبة لكثير من أهالي إدلب، لا تمثل الزراعة مجرد مصدر رزق، بل هي ارتباط بالأرض وصمود في وجه الظروف القاسية. في ريف إدلب الجنوبي، يراقب فهد الجمعة، وهو مزارع خمسيني أمضى حياته في زراعة القمح البعلي، حقله الذي بدأت ملامح الخضرة تعود إليه تدريجياً ويقول، إنّ السنوات الماضية كانت قاسية على المزارعين، إذ تحولت الزراعة إلى مغامرة خاسرة في ظل انقطاع الأمطار وتراجع خصوبة التربة، ما جعل كثيرين يزرعون وهم مدركون مسبقاً لاحتمال ضياع جهدهم دون مردود. ويلفت الجمعة إلى أن الموسم الفائت كان من بين الأصعب، إذ اضطر عدد كبير من المزارعين إلى الاكتفاء بحراثة أراضيهم دون زراعتها، أو تقليص المساحات المزروعة إلى الحد الأدنى خوفاً من الخسائر، في وقت لم تكن فيه أي مؤشرات مطمئنة على تحسن الظروف المناخية، غير أنّ الهطولات المطرية الأخيرة، أعادت شيئاً من الثقة، وشجعت الأهالي على العودة إلى زراعة مساحات أوسع، أملاً بموسم أفضل.  ولا يقتصر حديث الجمعة على الجفاف فحسب، بل يربط تدهور الأراضي الزراعية أيضاً بسنوات سيطرة جيش النظام السابق على المنطقة، إذ تعرضت مساحات واسعة من الأراضي للحرق المتعمد، واقتلعت أعداد كبيرة من الأشجار المثمرة، ما ألحق أضراراً طويلة الأمد بالتربة وقلل من قدرتها على الإنتاج. ويؤكد أن المزارعين اليوم لا يواجهون تحديات المناخ فحسب، بل يحاولون أيضاً ترميم ما أفسدته سنوات الحرب والإهمال، في معركة يومية لاستعادة علاقتهم بالأرض بوصفها مصدرَ رزق وحياة. وفي ريف إدلب الشرقي، تعبر نجمة الرحال وهي أرملة تعيل أسرتها وتعتمد كلياً على الزراعة مصدر دخل وحيداً، عن ارتياح حذر بعد الهطولات المطرية الأخيرة، مؤكدة في حديثها لـ"العربي الجديد "، أنّ "المطر شكل متنفساً حقيقياً للأهالي بعد سنوات من القلق والخسارة، وهو أملنا الوحيد اليوم، إذا استمرت الأمطار على نحوٍ معتدل، يمكن أن نحصل على محصول يكفينا طوال العام ويغنينا عن الاستدانة". وتضيف الرحال، أن "معاناة المزارعين لا تنتهي عند حدود الطقس، ففرحتنا بالمطر ناقصة، لأن تكاليف الزراعة مرتفعة جداً، سعر البذار تضاعف، والأسمدة باتت فوق قدرتنا، ناهيك عن صعوبة تأمين المازوت للحراثة والنقل"، وتشير إلى أن كثيراً من العائلات تضطر للاقتراض مع بداية كل موسم، على أمل السداد بعد الحصاد، لكن أي خلل بسيط في الموسم قد يعيدهم إلى دائرة الديون من جديد. في صورة تعكس هشاشة الواقع الزراعي في ريف إدلب، تتابع الرحال "نحن نزرع اليوم لنصمد فقط، لا لنربح، وأي موسم جيد يعني أننا نستطيع الاستمرار سنة أخرى، أما الخسارة فتعني مزيداً من العوز والتعب". من جانبه، أوضح المهندس الزراعي محمود بركات، أن الأمطار الأخيرة مبشرة جداً لمزارعي البعل في إدلب، خاصة أنها جاءت في مرحلة حساسة من نمو المحاصيل. وأضاف لـ"العربي الجديد"، أنّ الزراعة البعلية تعتمد على انتظام الهطولات، وليس على كميتها فحسب، والأمطار الحالية حسّنت رطوبة التربة وساعدت على إنبات جيّد، لكن استمرار الموسم بشكل إيجابي يتطلب هطولات إضافية خلال شهري فبراير/شباط ومارس/آذار. وأشار بركات إلى أن التغيرات المناخية باتت تشكل التحدي الأكبر، إذ تتسم المواسم بعدم الاستقرار، ما يفرض على الجهات المعنية دعم المزارعين ببرامج إرشاد زراعي، وتوفير مستلزمات الإنتاج بأسعار مدعومة لتقليل الخسائر المحتملة.

أخبار ذات صلة.

( نوافذ يمنية) محرك بحث إخباري لا يتحمل أي مسؤولية قانونية عن المواد المنشورة فيه لأنها لا تعبر عن رأي الموقع..

جميع الحقوق محفوظة 2026 © نوافذ يمنية