عربي
تواجه قرية كفر مالك شرق رام الله، وسط الضفة الغربية، خلال اليومين الماضيين، تصعيدًا جديدًا يتمثل في أوامر عسكرية لاقتلاع الأشجار من عشرات الدونمات جنوب القرية، وسط هجمات استيطانية متكررة طاولت الأراضي الزراعية.
لم يتمكّن يوسف القاق "أبو حسان" (80 عامًا) حتى من تقديم اعتراض على قرار عسكري إسرائيلي بتجريف وإزالة الأشجار من قرابة 4 دونمات من أرضه جنوب كفر مالك، ضمن 35 دونمًا يشملها القرار.
فالأمر العسكري لم يُعطِ أصحاب الأراضي سوى 24 ساعة للاعتراض، فقد توجه أبو حسان، كما يروي لـ"العربي الجديد"، مع المتضررين من أصحاب الأراضي، وتبيّن وجوب تقديمه "كوشان" لأرضه، وهي وثيقة ملكية تتطلب إجراءات حصر إرث، ومن ثم التقدم بطلب للحصول على المستند من دائرة سجلات الأراضي في الإدارة المدنية التابعة لجيش الاحتلال، كون الأرض في المنطقة (ج) وفق اتفاق أوسلو، وتلك العملية تحتاج، كما يقول أبو حسان، من أسبوع إلى أسبوعين وربما أكثر.
ينصّ الأمر العسكري الأخير على "إزالة النباتات البرية ونقل أشجار الزيتون إلى مكان بديل"، تحت عنوان وذريعة "اتخاذ وسائل أمنية، لأجل الحفاظ على أمن المنطقة وإقامة النظام العام"، مع تحديده بأنه أمر فوري ومستعجل.
وبحسب القرار، فإن المطلوب من أصحاب الأراضي أو المتصرفين فيها القيام بنقل الأشجار وإزالة النباتات، وإلا فإن ذلك سينفذ على يد من يخوّله القائد العسكري، وفي ظل رفض الأهالي القرار، فإن المتوقع أن تنفذه سلطات الاحتلال. وتقع الأراضي المستهدفة في الجهة الجنوبية من كفر مالك، على جانب طريق عسكري لجيش الاحتلال، يصل معسكر تل العاصور بشارع "ألون" الاستيطاني شرق كفر مالك ومستوطنة "كوخاف هشاحر" المقامة على أراضي الفلسطينيين.
لم يُبلَّغ أبو حسان بالقرار بشكل رسمي، بل علم به من خلال إعلان المجلس القروي الذي أُعلِم به من الارتباط (جهة الاتصال بين سلطات الاحتلال والسلطة الفلسطينية)، ولم يُبلّغ القاق بمساحة الأراضي التي ستجرف بدقة، لكنه، ووفقًا لقراءته للخريطة، فإنه سيفقد 100 من أشجار الزيتون، 35 منها كبيرة و65 صغيرة، كان قد غرسها خلال السنوات القليلة الماضية في 4 دونمات من أصل 9.5 يملكها في هذه المنطقة.
يقول أبو حسان: "إن أشجار الزيتون تلك، بعضها قديم جدًا، وبعضها زرعها جدي، وأخرى والدي، وأخيرًا أنا، ولذا فإن ارتباطي بها لا يمكن وصفه، وأكاد أفقد عقلي بسبب القرار". ويؤكد نائب رئيس المجلس القروي لكفر مالك، ماجد معذى، في حديثه لـ"العربي الجديد"، أن الأهالي لا يعرفون بشكل دقيق مساحات أراضيهم التي ستُجرف.
ويشير معذى إلى أن الشارع الذي يريد الاحتلال إبقاء الأراضي بجانبه فارغة، كان قد أقامه جيش الاحتلال من أراضي المواطنين طريقًا عسكريًّا منتصف تسعينيات القرن الماضي، وكان يمنع الفلسطينيين من استخدامه، وبعد إقامة بؤرة استيطانية عند نهاية الطريق تقريبًا، أصبح المستوطنون يستخدمونه، وبشكل خاص طريقاً للوصول إلى أراضي أهالي كفر مالك ومنازلهم لتنفيذ هجمات واعتداءات.
ولن يكون الأثر، بحسب معذى، على 35 دونمًا فقط، بل سيمتد إلى قرابة 1500 دونم في المنطقة الجنوبية، يُحرَم الفلسطينيون من الوصول إليها وزراعتها.
والوصول لتلك الأراضي أصبح خطرًا للغاية منذ عامين تقريبًا، فأبو حسان يؤكد أن عائلته تمكنت من الوصول في موسم قطف الزيتون لأرضها ليومين فقط، وقطفت نصف الأشجار، وليس كلها، خشية من هجوم المستوطنين، بينما لم تتمكن من حراثتها وتقنيبها، وهو ما ينسحب على باقي الأراضي القريبة، كما يؤكد معذى.
بدوره، يؤكد المستشار القانوني لهيئة مقاومة الجدار والاستيطان الفلسطينية، عايد مرار، لـ"العربي الجديد"، أن مثل هذه الأوامر العسكرية الخاصة بإزالة الأشجار وإفراغ الأراضي القريبة مما تُسمّى "المناطق العسكرية" أو الطرق الاستيطانية والأمنية، انتشرت مؤخرًا في العديد من القرى والبلدات بحجج أمنية.
ويوضح مرار أن سلطات الاحتلال لا تمنح المواطنين الوقت الكافي للاعتراض على مثل هذه الأوامر العسكرية، ولا تستجيب للاعتراضات في حال تمكن أصحاب الأراضي من تقديمها، وتعمد إلى تنفيذ عمليات التجريف بشكل متسارع، كما حصل الشهر الماضي من تجريف 35 دونمًا واقتلاع 400 شجرة زيتون من أراضي قرية بدرس غرب رام الله.
ويعاني أهالي قرية كفر مالك من حصار متعدد الأشكال والجهات الجغرافية، فالقرية تعاني من إغلاق مدخلها الرئيسي المؤدي إلى قرية دير جرير المجاورة، والذي كان طريقًا إلى القرى المجاورة ومدينة رام الله، ما أدى إلى زيادة الطريق بأكثر من 20 كيلومترًا بالمرور عبر بلدات خربة أبو فلاح وترمسعيا، ثم طريق عين سينيا أو بيرزيت فرام الله، أو خربة أبو فلاح والمزرعة الشرقية ثم سلواد ويبرود فرام الله.
هذا الحال دفع أهالي القرية، كما يؤكد نائب رئيس المجلس القروي، إلى استحداث طريق جديد قبل أشهر يصل بلدتي كفر مالك والمزرعة الشرقية، بطول كيلومترين اثنين فقط، جرى تعبيده على نفقة الأهالي، ويقع في المنطقة (ب) وفق اتفاق أوسلو، أي ضمن صلاحيات السلطة الفلسطينية المدنية.
لكن هذا الطريق، قبل أيام، تعرّض للتجريف والتخريب بجرافات الاحتلال، دون أي أمر عسكري أو قرار رسمي، فقط في عقاب لأهالي القرية، بحجة قيام فتية بإلقاء زجاجة حارقة لم تحترق، كما يؤكد معذى.
ومن أصل 56 ألف دونم للقرية، لا يستطيع الأهالي الوصول إلا إلى 6300 دونم، بحسب معذى، بسبب إجراءات الاحتلال واعتداءات المستوطنين. وتتعرض قرية كفر مالك لاعتداءات متكررة تستهدف آبار عين سامية الواقعة في أراضيها، والتي تُعد مصدر المياه الوحيد لتسعة عشر تجمعًا سكانيًّا فلسطينيًّا في منطقة شرق وشمال رام الله، يقطنها قرابة 100 ألف فلسطيني.
آخر الاعتداءات كان مساء الأحد الماضي، حيث تعرضت الآبار رقم 2 و4 و6 لهجوم المستوطنين، بتحطيم نوافذ المنشآت ولوحات التحكم، وقطع كوابل التحكم الخاصة بوصلات الآبار، ما أدى إلى فقدان الاتصال الكامل بالآبار وعدم القدرة على تشغيلها، بحسب مصلحة مياه محافظة القدس المسؤولة عنها.
ويُعد هذا الهجوم الرابع منذ بداية العام الجاري فقط، فضلًا عن هجمات متكررة العام الماضي، كما يؤكد الناطق باسم مصلحة المياه، فارس المالكي، لـ"العربي الجديد".
ويأتي الهجوم، كما يقول ماجد معذى، بعد أيام من تهديد أحد المستوطنين للعاملين في المحطة، بعد رفضهم تزويده بالكهرباء، حيث يسيطر المستوطن على بركة مياه يملكها أحد المواطنين، ويريد إيصالها بالكهرباء من محطات آبار المياه.
وخلال حرب الإبادة التي اندلعت بعد السابع من أكتوبر/ تشرين الأول 2023، اضطرت مصلحة المياه إلى تشغيل وإدارة محطات عين سامية عن بُعد، عن طريق الإنترنت، في ظل الهجمات المتكررة، قبل أن "يغامر" العاملون، وبشكل خاص من أهالي كفر مالك، بالوجود في المنشآت التابعة للعين للحفاظ عليها، كما أكد معذى.
ويرى مدير مجموعة الهيدرولوجيين الفلسطينيين، عبد الرحمن التميمي، في حديث لـ"العربي الجديد"، أن ما يحصل في عين سامية جزء من سياسة إسرائيلية متكاملة ومتراكمة، تهدف إلى جعل الفلسطينيين زبائن لشركات تحلية المياه الإسرائيلية، ليصبحوا مجرّد مستهلكين، بعد السيطرة على جميع المصادر المائية التي يملكها الفلسطينيون.
أما كل تلك الهجمات، وكل هذا الحصار على كفر مالك، فيُعد جزءًا من استهداف ممنهج لمنطقة شرق رام الله بشكل عام، لحصر البلدات والقرى هناك في المناطق السكنية فقط، والسيطرة على الأراضي الزراعية، لا سيما تلك الممتدة نحو الشرق، أي الأغوار، التي تُعد الامتداد الطبيعي لقرى شرق رام الله، والأغوار هي المستهدف الأهم في خطط السيطرة والضم.
ولتحقيق ذلك، هجّرت سلطات الاحتلال معظم التجمعات البدوية في مناطق شرق رام الله، وكان أبرزها تلك التجمعات القريبة من عين سامية على أراضي كفر مالك، حتى قبل بدء حرب الإبادة على غزة، واستُكمل مسلسل التهجير للبدو والعزب الزراعية بعد الحرب، لتُصبح الأراضي الشاسعة في تلك المناطق خالية من الفلسطينيين، تمهيدًا لنشر البؤر الرعوية الاستيطانية فيها على نطاق واسع.

أخبار ذات صلة.
"قسد"... سيرة أداة
العربي الجديد
منذ 48 دقيقة