عربي
هامة التطورات اللافتة التي شهدتها العلاقات السورية المصرية قبل أيام، وإنْ كانت في شقها الاقتصادي، وتجسدت في إطلاق الملتقى السوري المصري في دمشق، والذي ركز على صياغة آلية مؤسّسية للربط بين القطاع الخاص في كلٍّ من البلدين وحكومتيهما، وبناء تحالفات سورية مصرية مع أوروبا من أجل فتح الأسواق أمام الصادرات المشتركة، إلى جانب دعم سلاسل الإمداد، وتسهيل العبور اللوجستي عبر الموانئ والبنى التحتية المصرية. ثم وقّع البلدان مذكرتي تفاهم في قطاع الطاقة لتلبية احتياجات سورية من الوقود، وتوريد الغاز لتوليد الكهرباء. وتوّجت التطورات بالاستقبال الدافئ الذي حظي به وفد اقتصادي مصري من الرئيس أحمد الشرع، الذي قال إن العلاقات مع مصر "ليست ترفاً، وإنما هي واجب، وينبغي أن تكون في مسارها الصحيح".
ظهرت أهمية هذه التطورات ليس في جانبها الاقتصادي فقط، بل أيضاً في صعود موجة من التفاؤل في الأوساط السياسية والشعبية، بأن يذيب الاقتصاد الجمود الذي راكمته مماحكات السياسة بين دمشق والقاهرة، وبما يبعث الآمال بتغيير الأجواء المتلبدة، وإعادة الدفء إلى العلاقات السياسية بينهما، وإنهاء الفتور الذي تشهده منذ سقوط بشار الأسد في ديسمبر/ كانون الأول 2024، بسبب التوجس المصري من التغيير الذي حصل.
يُقال إن الاقتصاد متداخل مع السياسة، وأحياناً يقودها، وقد تقوده في أحيان أخرى، لكن الثابت أن العلاقات الاقتصادية الدولية تبنى على أساس المصالح المشتركة، وتزداد متانتها عند تعاظم تقاطعاتها بين الدول. وفي الحالة السورية المصرية، تعكس الخطوات الاقتصادية توجهاً لدى مسؤولي البلدين نحو تعزيز تقاطعات المصالح بينهما، وسعياً يهدف إلى تفعيل آفاق التكامل في مجالات التجارة والاستثمار وإعادة الإعمار، وبما ينقلها إلى تعاون مثمر بينهما في مرحلةٍ تشهد فيها المنطقة تغيرات جيوسياسية متسارعة.
من المهم، بالنسبة إلى سورية على وجه الخصوص، إقامة علاقات اقتصادية متينة مع مصر، بالنظر إلى الوضع الاقتصادي فيها، لكن الأهم أن تستثمر هذه العلاقات على الصعيد السياسي، كي تصبح رافعة تسحب قطار السياسة السورية المصرية خارج نفق الجمود، وتزيل عنه ما تراكم من جليد، وتتحوّل إلى شراكة نافعة بين كلا الدولتين.
قد يشكل ما تحقّق في الفترة القصيرة الماضية محاولة اختراق في العلاقات الثنائية، لكن نجاحها الفعلي والعملي يرتبط بقدرة الطرفين على تحويلها إلى مشاريع ملموسة تتخطّى الحسابات السياسية الظرفية، وخصوصاً أن شعبي البلدين يمتلكان ثقلهما التاريخي والسكاني في المنطقة، ولديهما ما يفيض من الخبرات والقدرات والثروات، التي يمكن توظيفها في خدمة تطورهما على الأصعدة كافة.
لم يفوّت المسؤولون السوريون الفرصة للإشادة بالخطوات الاقتصادية، ولعل استقبال الشرع الوفد المصري حمل أيضاً تحوّلاً في لهجة خطابه السياسي، وجنح أكثر نحو الحميمية. إضافة إلى إشارته لأولوية "الشركات المصرية للمساهمة في إعادة إعمار سورية"، وتأكيده على أن الاستقرار الاقتصادي في مصر وسورية هو استقرار للإقليم، وسينعكس على القضايا السياسية والأمنية والاستراتيجية.
باتت الأرضية مهيأة لتطوير العلاقات بين سورية ومصر، عبر إطلاق مشاريع مشتركة في التصنيع والخدمات اللوجستية والطاقة وسواها، خصوصاً مع وجود أكثر من 15 ألف شركة سورية مسجلة باتحاد الغرف التجارية المصرية باستثمارات تقترب من مليار دولار، إلى جانب وجود حوالي 1.5 مليون سوري يعملون ويستثمرون في مختلف القطاعات الاقتصادية في مصر.
يدرك مسؤولو البلدين أن المصالح الاقتصادية تقود إلى مصالحات سياسية. ويمكن للمسؤولين السوريين أن يستثمروا انفتاح المسار الاقتصادي مع مصر للبناء عليه سياسياً، وخصوصاً أن القيادة السياسية المصرية سبق أن أصدرت بيانات وأطلقت تصريحات عديدة، أكدت فيها على وحدة سورية واستقرارها، ورفض الاعتداءات الإسرائيلية عليها، وشدّدت على ثبات موقف الدولة المصرية حيال ذلك. وبالتالي، بات مطلوباً أن تبادر القيادة السورية وتتحرّك سياسياً حيال القاهرة لكسر الجمود بين البلدين، انطلاقاً مما تشكله أهمية العلاقات المصرية السورية، بوصفها إحدى الركائز الأساسية في بنية النظام الإقليمي العربي، بالنظر إلى ما يتمتع به البلدان من مقومات جيوسياسية مؤثرة، وروابط تاريخية وسياسية واجتماعية وثقافية ممتدة، وإلى إمكانية صياغة محدّدات مشتركة للعلاقة بين سورية ومصر، في ضوء التحوّلات الجيوسياسية المتسارعة التي تشهدها منطقة الشرق الأوسط.
