في لغة ترامب... معجم افتراضي
عربي
منذ 4 أيام
مشاركة
من الأمور التي اكتشفنا وجودها، بمرجعية بعض التخمين، ثم التصريحات الرسمية لمسؤولين من بلدان عديدة، إضافة إلى كتاباتٍ من هنا وهناك، أن للرئيس الأميركي لغة بمفاهيم ومعانٍ يجب الاطلاع عليها بقصد التحضير الجيّد لمقاربات التعامل مع عجرفته والقرارات العجيبة التي يتخذها بشأن قضايا استراتيجية. وهو ما يستدعي تصوّر "معجم افتراضي" من مفاهيم محورية، لا يمكن الادّعاء بالقدرة على تحليل الشؤون الدولية (وأميركا في محورية ذلك كلّه) إلا بالتحكّم بمفردات تلك اللغة من ناحية، وسياقات ورود تلك المفاهيم والمعاني من ناحية أخرى. هناك داعٍ آخر للكتابة عن تلك اللغة يتعلّق بتحليلات لمتخصّصين، لا سيّما في الشؤون الاستراتيجية، أشاروا إليها وأطلقوا عليها "لغة ترامب"، أي المفاهيم والمعاني التي يضفيها على بعض العبارات في سياقات أضحت معقّدة تشبه توقيعه الذي يدلّل على نفسية مركبة. ولكن بالقرائن، وبتتبع أدوات تحليل الخطاب، توصّل بعضهم إلى فكّ شيفرة تلك اللغة، التي سنشير في هذه المقالة إلى عدد منها، مما اشتهر من عبارات تحمل اسم "لغة ترامب". "السلام" كلمة يكرّرها ترامب، وتعني (وفق خطاباته) تلك الحزمة من الاتفاقات التي أشرف عليها أو وضع لها خريطة طريق) السيطرة للقوي، وتحقيقَ مصالح بلده، أميركا، وتحديدَ فضاءات التنافس مع كبار هذا العالم، خاصة روسيا والصين. حاولت بعض الكتابات فهم إدراك ترامب للسلام، فتوصّلت إلى أنه يعني به فرض شروطه من دون أدنى إشارة إلى تفاوض أو تسوية أو تنازل أو أخذ وردّ، كما أن العبارة لا تعني عنده إلا تحقيق شروط تنفيذ صفقة يكون هو الرابح الحصري وبصفة صفرية، أي من دون أدنى احتمال لجزء (ولو صغير) لخصومه؛ ما يدلّل على أن معنى السلام عنده هو مواصلة الصراع، ولكن برجحان كفّة الميزان له ولمن يناصره من حلفاء، في كل الظروف. المؤسّسات والمنظمات الدولية في "لغة ترامب" بيروقراطية ضاغطة لا يطمئن لها ويريد تقويضها أما "الحرب" فمفردة مناقضة لحالة السلام الكامل والحصري لمصالح أميركا، في "لغة ترامب"، بمعنى يتضمّن تحضير شروط الرضوخ. ولهذا كثرت تصريحاته إنه رجل السلام، لأنه يستخدم التلويح بالحرب تحضيراً لشروط صفقات رابحة وحصرياً له ولبلاده... خاض ترامب (مباشرة أو عبر وكلائه) حروباً، خاصة منذ بداية عهدته الثانية، وكلّها تدوم لأيام يضع فيها كل قوة أميركا، إذ شاهدنا ذلك ضد إيران، ثم في عمليات محدّدة في غزّة للتسريع بإنهاء الحرب، وفق الشروط المرضية للكيان ولمصالح أميركا، بل خاض حروباً أخرى من نوع آخر، على غرار تلك التي يحاول الضغط من خلالها على الصين لإبطاء مسار تقدّمها نحو ريادة الاقتصاد العالمي، ومنها محاولته أخيراً قطع الطريق أمام بكين واستفادتها من نفط فنزويلا، بعملية خاطفة أفضت إلى اختطاف رئيس دولة ذات سيادة ومواردها. و"الاقتصاد" عبارة ثالثة تتضمّن محورية الصفقة، وكل ما يحيط بها من شروط تنتهي بحصوله على الربح، لكن بالمعنى السياسي، فإن إدراك العلاقات الدولية بوصفها صفقة، يعني عنده فرصة سانحة مع خصوم لا يجب أن يُترك لهم شيء، إلا فيما يخصّ الطرفَين الوازنَين، وهما اثنان لا ثالث لهما في العالم: الصين وروسيا، والبقية لا وزن لها، ولا يراها قادرة على الوقوف اقتصادياً أمام ثقل الأداء الاقتصادي الأميركي على المستويات كلّها. وبمرجعية ترامب التجارية (كان تاجر صفقات عقارية)، يفهم الرئيس الأميركي الاقتصاد بأنه مرادف لحالتي الحرب والسلام، فلا تنافس في المجال الاقتصادي، بل معركة لا تحتمل إلا الانتصار. ولهذا بادر العالم بحرب التعرفات الجمركية، وبدأ يفاوض الأطراف بشكل ثنائي وجماعي للاستسلام والرضوخ منهزمين أمام عجرفته. ولا تعني "المؤسّسات والمنظمات الدولية" في "لغة ترامب"، إلا بيروقراطية ضاغطة لا يطمئن لها، ويريد تقويضها: من مجلس الأمن إلى الأمم المتحدة إلى المنظمات الفرعية ثم المنظمات الإقليمية، أيّاً كان مجال عملها. إنها مؤسّسات غير ذات فائدة، لأنها تقيّد الهيمنة الأميركية، وتحدّ من عجرفتها ورؤيتها الأحادية للشؤون الدولية، ولأنها مكمن خروج الأصوات التي تسمّيها أميركا "الأصوات الناعقة"، أو ترفض أن يُسمع لها صوت أو يبرز لها رأي، لأنها (في إدراك ترامب) غير موجودة أصلاً. لا يرى ترامب فائدة في نظام عالمي متعدّد الأطراف؛ لأن العالم (في نظره) قوة ومصالح فقط، مع إدارة فوضى العالم لصالح أميركا وحدها، أو في الوقت الحالي لصالح من يدانيها في القوة: الصين وروسيا فقط. وعليه فهو لا يحبّذ مؤسّسات النظام الدولي، ونراه يجنح (هو أو من سيخلفه) نحو الخروج من مؤسّسات النظام الدولي التي أضحت بلا وزن، على غرار اقتراحه منذ عهدته الأولى تفكيك حلف شمال الأطلسي (الناتو)، كما أسرّ إلى إيلون ماسك بخيارات أميركا بالنسبة إلى الاتحاد الأوروبي الذي تريده مفكّكاً، بل يوسّع رؤيته تلك نحو منظمة التجارة العالمية وغيرها من مؤسّسات العمل الدولي متعدّد الأطراف، ليقوّضها الواحدة تلو الأخرى. و"التفاوض" مفهوم لا يراه ترامب إلا من خلال عين الصفقات العقارية، أي صفقات مربحة، ولا مجال فيها للتنازلات أو التسويات أو الاتفاقات غير الصفرية؛ أي تلك التي يستفيد منها الجميع ومن دون طرف خاسر. يبرز ذلك من خلال الخيارات التي منحها في التفاوض بشأن أوكرانيا، أو لإنهاء "طوفان الأقصى" في فلسطين، إذ وضع خططاً ضمّنها رؤيته لمجالات التفاوض التي تتضمّن الاستسلام في حالتي أوكرانيا وفلسطين، في شكل تنازل عن أراضٍ وتسليم أسلحة، بل وعقد صفقات لتمكين أميركا من معادن أوكرانيا النادرة من ناحية، وتحويل غزّة إلى "ريفيرا الشرق الأوسط" من ناحية أخرى، ما يجعل التفاوض عنده فرض إرادة القوي فقط، واستسلام الضعيف الذي قد يُجرّ إلى تلك الحالة جرّاً، سواء بالإضعاف أو عن طريق الإنذارات (المهل الزمنية للاستسلام). تتضمّن عبارة التفاوض، في "لغة ترامب"، احتمال فرض معاهدات هو من يضع شروطها، كما تتضمّن احتمال أن يُبطلها. وقد رأينا ذلك في حالتي أوكرانيا وفلسطين، كما شهدنا حالة إبطال المعاهدات في عهدته الأولى، عندما ألغى اتفاق أميركا والأطراف الدولية مع إيران وأوقع عليها عقوبات، بل وسّع تلك المقاربة إلى رؤيته لمعالجة القضية الفلسطينية بعقد اتفاقية أطلق عليها اسم "صفقة القرن"، وممرّ وحيد لعقدها أطلق عليه أيضاً "اتفاقات أبراهام"، وهي عقود استسلام ليس إلا؛ بدأها بتحويل مقرّ سفارة بلاده إلى القدس، تمهيداً لإقرار ما يريد تفعيله الآن في فلسطين من تهجير، وتوسيع لجغرافية الكيان، وفرض نهاية لقضية فلسطين، بتحويل الكيان إلى قوة عظمى وحيدة يوكل إليها شؤون الشرق الأوسط. "الإنسان" في "لغة ترامب" هو الإنسان الغربي غالي القيمة، بلون أبيض وبحقوق كاملة، وما عداه فبلا قيمة أما "الإنسان"، فهو في "لغة ترامب"، الإنسان الغربي غالي القيمة، بلون أبيض وبحقوق كاملة، وما عداه (ثقافة أو ديناً أو حضارة أو لوناً) فهو بلا قيمة، ويمكن التغاضي عن حقوقه بل وحياته. وبسبب تلك الرؤية للإنسان، فإن ترامب تغاضى عن جرائم الكيان في فلسطين، كما أنه يزدري (استكمالاً لرؤيته للقوة) الضعفاء من بني حضارته من أوروبيين، فيراهم تابعين ومن دون إرادة، وبعيدين عن أي قيمة لاستشارتهم أو التعامل معهم أنداداً. وربما دلّت صورة الزعماء الأوروبيين في البيت الأبيض، وحديثه المتشنّج مع زيلنسكي (رئيس أوكرانيا)، على عمق استهانته بالإنسان، كما أن فضيحة إبستين (صاحب الجرائم الجنسية المُتوفَّى أو المُنتحِر عام 2019)، وفضيحة دعاوى نساء ضده أمام العدالة، تدلّل من جهتها على أن الإنسان لا قيمة له عند ترامب إلا ذليلاً، إذا لم يكن غربياً وقوياً، أو قوياً من غير الغرب على شاكلة الرئيس الصيني والصين. تلك ستّ عبارات/ مفاهيم تلخّص "لغة ترامب" التي تتشكّل وفق الموقف الذي يوضع فيه، لكن بنبرة كلّها تعالٍ، وكلّها تقديس للقوة، ولخلفية سيكوباتية لشخصية مريضة لم تأتِ إلى السياسة إلا للتلويح للعالم بأن نقطة الانحدار (بالنسبة إلى أميركا) بدأت بـ"نيرون حديث" قد يحرق أميركا والعالم معه، كما أحرق نيرون روما. وقد يجرّ العالم إلى حرب عالمية ثالثة، يكون منطلقها إعلاءه شأن التعامل مع الشؤون الدولية بأدوات الصراع، وبـ"سلام" يراه من خلال إدراكاته تلك. وتُعدّ اللغة من مكامن الإشارة إلى أعماق ما يكنّه من ازدراء للإنسان وللآخر؛ ما قد يستدعي دراسات أعمق لشخصيته بقصد كشف أنه تهديد للعالم برمّته، وليس لأميركا فقط.

أخبار ذات صلة.

( نوافذ يمنية) محرك بحث إخباري لا يتحمل أي مسؤولية قانونية عن المواد المنشورة فيه لأنها لا تعبر عن رأي الموقع..

جميع الحقوق محفوظة 2026 © نوافذ يمنية