عربي
تبدو عبارة "لا يصحّ إلا الصحيح"، للوهلة الأولى، حكميةً أو أخلاقيةً، مع أنها في عمقها تركيبٌ منطقيٌّ قبل أن تكون وعداً قِيميّاً، فهي تفترض عالماً تحكمه آلياتُ التصحيح الذاتي: ما هو فاسدٌ ينهار تلقائياً، وما هو ضعيفٌ يتقادم ويسقط مع الزمن، وما هو زائف يُكشف عاجلا أو آجلاً. العبارة لا تعِد بعدالة فورية، لكنّها تفترض حتميّتها، والزمن ضمن هذا التصوّر يظهر كاشفاً؛ يعمل ببطء، لكنّه يعمل. بيد أن هذه العبارة، للأسف، لم تعد صالحةً؛ فقد تفكّكت معانيها وزالت. فما نعيشه اليوم يقول ويكرّر ويثبت عكس ذلك: بلى، يصحّ غيرُ الصحيح، بل هو يفعل كل يوم (!).
يصحّ غير الصحيح في مجالات المعرفة، إذ لم يعد الأعمق هو الأكثر حضوراً، بل ما هو الأكثر قابليةً للتسويق. نصّ سطحي قد يُحتفى به لأنه سهل وسريع، بينما يُقصى عمل متين لأنه يتطلّب صبراً وقراءةً غير كسولة. الصحيح لا يفشل لضعفه، بل لأنه غير ملائم لمنطق السرعة، ولمعيار الوسطية، فيما الرداءة تتقدّم لأنها أخفُّ وأسرعُ وأقلُّ كلفة.
ويصحّ غير الصحيح في السياسة المعاصرة، وبأوضح صوره في ظاهرة دونالد ترامب بوصفه نموذجاً: خطاب قائم على التناقض والمبالغة وأكاذيب موثّقة، ومع ذلك يستمرّ ويُعاد إنتاجه. هذا الاستمرار يكشف خللاً أعمق من مسألة شخص أو حزب، فيغدو التهديد أداةً فعّالةً لأنه صاخب وقادر على استثارة الخوف والغضب. أما الخطاب المتماسك القابل للمساءلة فيُستقبل بوصفه بارداً غير قادر على الاستقطاب. هكذا تُكافأ الفوضى السياسية لأنها أقدر على التعبئة من أيّ مشروع عقلاني.
ويصحّ غير الصحيح أيضاً في سوق العمل، حين يُستبدل معيار الكفاءة بمعيار الرضوخ والطواعية. الأكثر معرفة يُهمَّش، والأكثر قابلية للامتثال وللتطويع يتقدّم. من يطرح أسئلةً يُنظر إليه عبئاً، ومن يكرّر ويكتفي بالموافقة يُكافأ. فالمؤسّسات لا تعيد إنتاج الرداءة بسبب حاجة إلى الاستقرار الوظيفي، بل لأنها ترى في الصحيح عنصراً مُقلقاً: الصحيح مزعج لأنه يفضح الخلل بمجرّد حضوره.
ويصحّ غير الصحيح كذلك في ما يمكن تسميتها "الثقافة السائلة"، حيث لا يتراكم المعنى ولا يستقر. الأعمال تُنتَج لتُستهلك حيناً ثم تُنسى. السرعة تصنع القيمة، والانتشار يحلّ مكان الحكم النقدي. كتاب يُكتب كيفما اتفق فيُحتفى به لأنه سهل التداول، بينما يُهمَّش عمل جادّ اقتضى إنجازه تعباً وابتكاراً لأنه يطالب القارئ أن يبذل جهداً. الذائقة نفسها تُعاد صياغتها تدريجياً، حتى يصبح الرديء مألوفاً، ويغدو الجيّد "متعباً" أو مربكاً. ومع التكرار يتعلّم المُتلقّي الاكتفاء لا المطالبة، ومع الوقت يتعلّم الناس التكيّف مع الخلل بدل مواجهته. يصير الصحيح حملاً ثقيلاً لأن التمسّك به مكلف، بينما يتبدّى غير الصحيح جاهزاً وسهلاً ومتاحاً بلا مجهود أو مقاومة.
تفقد اللغة قدرتها على التمييز؛ وقد باتت المفاهيم الكبرى تُستعمل حتى التآكل. الحرية والعدالة والتنوير فُرّغت من مضمونها الفعلي. القمع يُبرَّر، والتفاهة يُحتفى بها، والابتذال يُقدَّم بوصفه خفّة. في هذا الفراغ الدلالي يضيع الصحيح لأنه لا يجد لغةً تحمله أو تحميه. وليس الخطر في أنّ غير الصحيح يصحُّ، بل في أن هذا الانقلاب لم يعد يُعتبر فضيحة. الزيف بات قاعدةً، والصحيح غريباً مشكوكاً فيه وخارج السياق، والعالم يعيد إنتاج الخلل ويمنحه شرعية الاستمرار.
أن نقول: "بلى، يصحّ غيرُ الصحيح" لا يحمل معنى الشكوى أو رغبةً في توقّع الأسوأ؛ إنه ببساطة إطلاق تسميةٍ دقيقةٍ على ما يحدُث. فالإصرار على ترداد عبارة "لا يصحّ إلا الصحيح" التي تحمل في طيّاتها وعداً بعزاء ما، ولو بعد حين، لم يعد ذا قيمة في واقع يكافئ نقيضها ولا يحمي قيمها. إنّه مجرّد وهمٍ يعِد ضعاف القلوب ويتامى العصر بأنه لا بدّ أن ينتصر وحده... ما هو؟ الصحيح نفسه.
