القوائم المطلقة تعيد ظاهرة نواب العائلة في مصر
عربي
منذ 4 أيام
مشاركة
غدت ظاهرة نواب العائلة في مصر واحدة من أكثر الظواهر إثارةً للجدل داخل مجلس النواب المصري الجديد، بعدما تحوّل وجود أكثر من نائب من العائلة الواحدة داخل القائمة نفسها، إلى ملمح بارز في الدورة البرلمانية التي بدأت منتصف يناير/كانون الثاني الحالي. وبرز النمط العائلي بوضوح في قوائم الأحزاب الثلاثة المهيمنة على القوائم الانتخابية، وهي: حزب مستقبل وطن، وحزب حماة الوطن، وحزب الجبهة الوطنية، وهي نفس المجموعة التي فرضت نظام الانتخابات بالقائمة المطلقة، بهدف إنهاء سيطرة العائلات القديمة والعصبيات القبلية في توجيه أصوات الناخبين، دعماً لإقامة حياة سياسية تكرس دور الأحزاب، في مجتمع ما زال غارقاً في العلاقات الأسرية التي ترتكز على العصبية والشخصيات صاحبة الكاريزما التي تحقق له مصالح شخصية مباشرة. بروز ظاهرة نواب العائلة في مصر بدأت ملامح ظاهرة نواب العائلة في مصر تتضح في أكثر من حالة، كان من أبرزها حالة النائبة سجى عمر هندي، عضو مجلس النواب عن القائمة الوطنية، التي ترشحت ممثلةً عن المصريين في الخارج، رغم إقامتها الدائمة داخل مصر، لكونها نجلة النائب عمر هندي، فضلاً عن كونها لاعبة في منتخب مصر للرماية، وهو ما يتطلب بقاءها لفترات طويلة داخل البلاد. أما الحالة الأكثر إثارةً للجدل، فتتعلق بالنائبة دينا وهدان أحمد البعلي، عضو القائمة عن حزب مستقبل وطن، والتي تنتمي إلى عائلة برلمانية بامتياز؛ فهي ابنة النائب الحالي وهدان البعلي، وابنة شقيق النائب أحمد البعلي، وحفيدة عضو البرلمان الأسبق أحمد البعلي، في صورة رأى فيها مراقبون أن البرلمان يتحول معها إلى ما يشبه مجلس العائلة. عمرو هاشم ربيع: تحول البرلمان إلى مجلس يُعنى بالحفاظ على المصالح العائلية ولم تقتصر الظاهرة على علاقة الأب والابن أو الأب والابنة فحسب، بل امتدت لتشمل الزوج والزوجة، وهو ما ظهر في حالتين داخل مجلس النواب الحالي، حيث جمعت عضوية المجلس بين الزوجين النائب رحمي بكير وزوجته النائبة فاطمة الصادق، عن حزب الجبهة الوطنية. كما تكرر الأمر في حالة النائبة مي كرم جبر، عضو مجلس النواب، وابنة رئيس الهيئة الوطنية للإعلام السابق كرم جبر، وزوجها النائب الحالي هيثم الشيخ. وتتسع الدائرة كذلك لتشمل العم وابنة شقيقه، كما في حالة النائبة دنيا هاني عبد العزيز سيف وعمها اللواء النائب الحالي مجدي عبد العزيز سيف، الذي سبقهما في عضوية البرلمان خلال الدورة السابقة النائب السابق أحمد عبد العزيز سيف، بما يعكس امتداد النفوذ العائلي عبر أكثر من دورة برلمانية. وظهرت المجاملات العائلية بوضوح أيضاً في حالة النائبة ريهام راشد أبو ضيف شطوري، وهي ابنة رجل الأعمال وصاحب شركة المقاولات راشد شطوري، الذي نفذ عدداً من المشروعات لصالح الدولة، حيث اعتبر مراقبون أن اختيار نجلته عضواً بمجلس النواب عن حزب حماة الوطن جاء في إطار مكافأة غير مباشرة. ولم يتوقف الأمر عند هذا الحد، إذ أدت الخلفيات الأمنية دوراً في لمّ شمل بعض العائلات داخل مجلس النواب، كما في حالة النائب عبد الحميد الشوري، اللواء السابق بجهاز الأمن الوطني المكلف بمراقبة أعمال مجلسي النواب والشيوخ (الشورى سابقاً) وعمّ النائب السابق محمد نجاح الشوري، وشقيق اللواء زينهم الشوري، نائب دائرة نبروه عن حزب الجبهة الوطنية. وبدت ظاهرة نواب العائلة في مصر أكثر وضوحاً في ما يُعرف بالقوائم الاحتياطية، حيث فُرض أبناء عدد من الوزراء على هذه القوائم، التي تنظمها المادة 25 من قانون مجلس النواب، والتي تنص على إمكانية اختيار أحد المرشحين الاحتياطيين من القائمة نفسها حال خلو المقعد بوفاة النائب، وهو ما يفتح الباب عملياً أمام توريث المقاعد البرلمانية لأبناء النواب المتوفين وأحفادهم. وتمكن النائب محمد عطية الفيومي وكيل لجنة التنمية المحلية الحالي من وضع ابنة زوجته عبير الرباط  من زوجها الأول، وفق تصريح الزوجة بنفسها على وسائل التواصل الاجتماعي، النائبة روان النحاس في قوائم الفائزين بعضوية مجلس النواب. شغل الفيومي رئيس لجنة الإسكان في الدورة البرلمانية الماضية، وقبل أن يكون نائباً في لجنة المحليات حالياً، معاوناً لوزير الداخلية الأسبق محمود شعراوي، والذي مكنه من الوصول إلى مقعده من قبل، لعدة دورات متتالية، لمرورة بعقبات قانونية وقضايا مثارة ضده. والفيومي خلف والده السيد الفيومي، الذي شغل مقعده البرلماني لعدة دورات في عهد الرئيس الراحل حسني مبارك، لتظل الأسرة محافظة على مقعد برلماني لمسيرة تمتد نحو 40 عاماً.  مجدي حمدان: هناك نواب لا يعنيهم سوى تحقيق مصالحهم الشخصية وقد برزت أسماء لافتة في قوائم الاحتياطي، تضم أبناء أربعة وزراء، إلى جانب أبناء رجال أعمال وبرلمانيين بارزين، فرضوا أبناءهم على هذه القوائم. وفي مقدمة هؤلاء وزير الإسكان الأسبق عاصم الجزار، وابنته لجين الجزار، ووزير الزراعة السابق السيد القصير، وابنه مصطفى بصفته احتياطياً له، ووزير التنمية المحلية الأسبق محمود شعراوي، ونجلته ياسمين، ووزير القوى العاملة السابق محمد سعفان، ونجله أحمد. كما فرض البرلماني مصطفى بكري نجله أحمد مرشحاً احتياطياً، ورجل الأعمال محمد أبو العينين نجله طارق، ورجل الأعمال محمد أمين الدخميسي ونجلته هدير، في مشهد رأى فيه مراقبون أن البرلمان يكرّس ظاهرة نواب العائلة في مصر ويبتعد كثيراً عن دوره الأصيل في التشريع والرقابة. وقد أبدى عدد كبير من الخبراء والسياسيين والنواب رفضهم لهذه الظاهرة، معتبرين أنها تمثل عقبة حقيقية أمام تطور التمثيل العادل والحقيقي لمختلف فئات المجتمع داخل مجلس النواب، وتسهم في قتل الممارسة السياسية في مهدها، بما يحوّل البرلمان إلى ساحة لحماية نواب العائلة في مصر بدلاً من القيام بدوره الدستوري في الرقابة والتشريع، واحترام أحكام الدستور، وحماية الأمن القومي. في السياق، انتقد عمرو هاشم ربيع، مستشار مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية، هيمنة ظاهرة نواب العائلة في مصر داخل التشكيل الجديد لمجلس النواب، معتبراً في حديثٍ لـ"العربي الجديد"، أن وجود نواب وأبنائهم داخل المجلس، إلى جانب إدراج أقاربهم على القوائم الاحتياطية للقوائم المغلقة، يمثل خللاً جسيماً في بنية البرلمان الحالي، لا سيما أن نسبة القوائم المغلقة داخل المجلس تتجاوز 50% من إجمالي الأعضاء. وسخر ربيع من وجود أبناء أربعة وزراء سابقين داخل البرلمان، فضلاً عن عدد كبير من أقارب النواب الحاليين، معتبراً أن نظام القائمة المغلقة تحوّل عملياً إلى "قائمة بالأمر المباشر"، بما أدى إلى تحويل مجلس النواب إلى مجلس يُعنى بالحفاظ على المصالح العائلية وضمان استمرار النفوذ السياسي، بدلاً من الدفاع عن مصالح الوطن والمواطن. وأشار إلى أن تمدد ظاهرة نواب العائلة في مصر وشمولها نحو 50 نائباً داخل البرلمان، من أصل 596 نائباً، يكشف بوضوح عن حالة من العوار السياسي والقانوني التي تطعن في صورة المجلس، وتُبعده كل البعد عن كونه مرآةً للإرادة الشعبية أو معبراً عن طموحات المواطنين. ولفت ربيع إلى أن هذه الظاهرة تمثل دليلاًَ صارخاً على فساد النظام الانتخابي القائم، وحاجته إلى تغيير جذري يعيد المنافسة السياسية الحقيقية إلى المشهد البرلماني، ويقطع الطريق أمام تمدد نواب العائلة في مصر التي تفشت خلال البرلمان الحالي، ويعكس في الوقت نفسه أزمة الشرعية التي يعاني منها المجلس. وتساءل ربيع عن الكيفية التي سمحت بها الهيئة الوطنية للانتخابات بحدوث ما وصفه بـ"المهزلة"، مشيراً إلى وجود نواب ممثلين عن المصريين في الخارج لم يسبق لهم الإقامة لفترات طويلة خارج البلاد، أو لم يغادروها إلا نادراً، لكن صلاتهم العائلية داخل المجلس مكّنتهم من الحصول على هذه الصفة. وأضاف أن بعض الشخصيات حصلت في الوقت نفسه على أكثر من صفة تمثيلية، ممثلين للأقباط والشباب والمرأة، من دون أي تدقيق حقيقي في مدى انطباق هذه الصفات عليهم، معتبراً أن الهيئة الوطنية للانتخابات تعاملت مع الأمر بمنطق "المحولجي" فقط، أي عامل التحويلة في السكة الحديد، وهو ما لا يليق بها، وأسهم مباشرة في تفشي ظاهرة نواب العائلة في مصر داخل البرلمان. وأكد ربيع أن النظام الانتخابي الحالي حوّل الانتخابات إلى آلية لتزوير إرادة الناخبين، بل وحوّل مجلس النواب نفسه إلى مجلس يضم أكثر من 55% من أعضائه بوصفهم نواباً معينين فعلياً، من خلال 50% عبر القوائم المغلقة، و28 عضواً بالتعيين، بما يطعن بشكل مباشر في مشروعية مجلس النواب الحالي. من جانبه، حمّل عضو الهيئة العليا لحزب المحافظين، مجدي حمدان، نظام القائمة المغلقة المسؤولية الكاملة عن بروز ظاهرة نواب العائلة في مصر داخل مجلس النواب، معتبراً في حديثٍ لـ"العربي الجديد"، أن هذه الظاهرة تؤكد أن الجهة الوحيدة التي فشلت في مشروع التوريث هو الرئيس الراحل حسني مبارك. وأضاف أن ظاهرة نواب العائلة في مصر برزت بشكل فجّ في حالات تعيين نواب بعينهم، مثل أحد المقاولين المشهورين المقربين من الرئاسة، إذ لم يكتفِ بالتعيين الذي ناله في البرلمان، بل نجح أيضاً في إيصال أحد أقاربه إلى عضوية البرلمان. عبد المنعم إمام: تحوّل البرلمان إلى نادٍ عائلي ولم يستبعد حمدان أن يكون إصرار السلطة على تكريس ظاهرة نواب العائلة في مصر عبر النظام الانتخابي الحالي، نابعاً من رغبة واضحة في تشكيل برلمان يُجيد "التصويت بالموافقة" على رغبات السلطة، في ظل تقارير متداولة عن مساعٍ لتعديل الدستور الحالي أو إدخال تعديلات على بنود بعينها فيه. وهو ما يستدعي، بحسب تعبيره، وجود نواب لا يعنيهم سوى تحقيق مصالحهم الشخصية، من دون وضع مصالح المواطن أو الوطن في الاعتبار. وأشار حمدان إلى أن نواب العائلة استفادوا بشكل مباشر من نظام القائمة المطلقة المطعون في شرعيته، لافتاً إلى أن القوائم المغلقة المسؤولة عن بروز هذه الظاهرة لم تحصل في الأساس على 51% من أصوات الناخبين، إذ لم تتجاوز نسبة المشاركة، وفقاً لأرقام الهيئة الوطنية للانتخابات، 32% فقط، وهو ما يطعن في عضوية هذه القوائم، بل وفي مشروعية البرلمان برمته. وأكد حمدان أن نظام القائمة المطلقة هو المسؤول عن تفشي هذه الظواهر، التي فتحت الباب أمام المال السياسي، والتبرع بعشرات الملايين من الجنيهات لشراء عضوية البرلمان للنائب ولأفراد عائلته، بما حوّل مجلس النواب إلى ما يمكن وصفه بـ"برلمان العائلة". بدوره، حمّل عبد المنعم إمام، رئيس حزب العدل وعضو مجلس النواب، نظام القائمة المطلقة المسؤولية عن انتشار ظاهرة نواب العائلة، مشيراً في حديثٍ لـ"العربي الجديد"، إلى أن هذا النظام، الذي لا يُعمل به إلا في أربع دول فقط على مستوى العالم، هو السبب الرئيسي في تحويل البرلمان إلى نادٍ عائلي، على نحو يقتل المنافسة الانتخابية، ويمنع تطور الممارسة البرلمانية، ويجعل لغة المصالح هي الكلمة العليا داخل المجلس. وأوضح إمام أن حزب العدل سبق أن رفع صوته للمطالبة بإلغاء نظام القائمة المطلقة واستبداله بنظام القائمة النسبية، باعتباره الأداة القادرة على قطع الطريق أمام المال السياسي، والحد من ظاهرة نواب العائلة ونواب الاحتياطي، التي تحولت إلى بوابة لتوارث عضوية البرلمان داخل الإطار العائلي، في مخالفة صريحة للتقاليد البرلمانية، وطعن مباشر في شرعية المجلس. كما فتح الباب أمام سيطرة المال السياسي على المشهد البرلماني، في ظل غياب نواب يمتلكون خبرة سياسية حقيقية ويضعون مصلحة الشعب ضمن أولوياتهم، بدلًا من مصالح العائلة. ومع ذلك، أقر إمام أن نظام القائمة المطلقة يُعد دستورياً من حيث المبدأ، وكذلك نظام الاحتياطي، وقد سبق العمل بهما في بعض البرلمانات، إلا أن ما يحدث حالياً يتسم بـ"الفجاجة"، إذ إن الممارسات على أرض الواقع هي التي فتحت الباب واسعاً أمام سيطرة المال السياسي وبروز ظواهر شاذة، مثل ظاهرة نواب العائلة في مصر على نحو يشل الدور الرقابي للبرلمان، ويقدح في مشروعيته. واستبعد إمام استجابة السلطة لمطالب تعديل نظام القائمة المطلقة خلال السنوات الخمس المقبلة على الأقل، معتبراً أن البلاد أمام واقع سياسي يصعب تغييره في المدى القريب. عامر عبد الرحيم: ظاهرة نواب العائلة في مصر حوّلت البرلمان إلى "جثة هامدة" مأزق سياسي عميق في مصر من جهته، رأى عضو مجلس النواب السابق، عامر عبد الرحيم، أن بروز ظاهرة نواب العائلة في مصر يمثل تأكيداً على المأزق السياسي العميق الذي تعاني منه البلاد، والذي حوّل الدور الرقابي والتشريعي المفترض للبرلمان إلى "جثة هامدة"، في ظل نواب وصلوا إلى المجلس عبر بوابة المال السياسي، ولا يملكون القدرة أو الرغبة في معارضة أي توجهات حكومية. وتساءل عبد الرحيم في حديثٍ لـ"العربي الجديد"، عن الكيفية التي يمكن بها لنائب وصل إلى البرلمان عبر المال السياسي أن يمارس دوراً رقابياً حقيقياً، أو يعارض الحكومة، أو يرفض تشريعات تتقدم بها، في وقت ينشغل فيه همه الأساسي باستعادة الملايين التي دفعها لشراء مقعده بالتعيين عبر القائمة المطلقة. وأضاف أن هؤلاء النواب لا يسعون حتى لتقديم خدمات للناخبين، لأنهم لم يصلوا إلى مقاعدهم بأصواتهم، بل بأموالهم، ومن ثم لم يعد للناخبين أي دور فعلي في وصولهم إلى البرلمان. وأكد عبد الرحيم أنه لا يمكن الحديث عن برلمان يمثل الشعب في ظل استمرار العمل بنظام القائمة المطلقة، الذي يرسخ الفساد والمال السياسي، ويقضي على المنافسة، ويمنع وصول الكفاءات، وهو أمر، بحسب تعبيره، تتوق إليه السلطة، لتحويل البرلمان إلى أداة مريحة لتمرير رغباتها دون مقاومة. وشدّد عبد الرحيم على أن نظام القائمة النسبية يظل السبيل الوحيد للقضاء على ظاهرة نواب العائلة في مصر والمال السياسي، وتعزيز دور الأحزاب السياسية، وهو ما لا ترغب فيه السلطة، التي قتلت الدستور والقانون، وفتحت الباب واسعاً أمام سيطرة المال السياسي واللوبيات العائلية على مجلس نواب مطعون في شرعيته.

أخبار ذات صلة.

( نوافذ يمنية) محرك بحث إخباري لا يتحمل أي مسؤولية قانونية عن المواد المنشورة فيه لأنها لا تعبر عن رأي الموقع..

جميع الحقوق محفوظة 2026 © نوافذ يمنية