مئوية رفعة الجادرجي.. العمارة في مواجهة الاستبداد
عربي
منذ 5 أيام
مشاركة
لم يجد المعماري العراقي رفعة الجادرجي الذي تمر مئة عام على مولده، لحظة وصوله إلى سجن أبو غريب بالقرب من بغداد بعد الحكم عليه بالمؤبد ومصادرة أمواله وفصله من نقابة المهندسين، إلّا الكتابة حول العمارة التي امتهنها عقوداً قبل أن يعتقل بتهمة الخيانة العظمى لبلاده، بسبب وشاية كيدية بقي الكثير من تفاصيلها غامضاً. محنة عصيبة أنتج خلالها مُؤلفَيْه "صورة أب" وتتبّع خلاله سيرة والده المحامي ورجل السياسة كامل الجادرجي، و"شارع طه وهامرسث"، ومعظم أجزاء كتاب "الأَخيضَر والقصر البلوري". حدث ذلك عام 1978، لكن المفارقة أنه قضى عشرين شهراً ثم أُفرج عنه لأن صدام حسين استدعاه ليعمل مستشاراً في أمانة العاصمة وينفّذ مشاريع تجميل بغداد، التي من شأنها أن تُخلّد "اسم الرئيس في التاريخ" كما بُلّغ حينها، مع تأكيد عدم وجود سقف مالي للإنفاق على هذه المشاريع. أيقن الجادرجي الذي بدأ العمل بمساعدة معماريين غربيين بأن عليه أن يغادر العراق قريباً، وهو ما فعله بعد عامين، لعدم قدرته على التكيف مع نظام شمولي. العلاقة المتوترة مع السلطة تضيئها كتبه وتنظيراته التي قدّمها في محاضرات ومقابلات صحافية، وفي سيرته التي كتبتها رفيقة دربه بلقيس شرارة. السلطة والعمران في كتابه "دور المعمار في حضارة الإنسان"، يشير الجادرجي إلى أنّ الأنظمة العربية بعد الاستقلال عطّلت عبر التسلط والرقابة والعنف التقدم الإداري والمعرفي والتسلية التي اكتسبها المجتمع، من دون مقاومة فعالة من قوى المجتمع المدني، ما دفع إلى إحباط الفكر المتعلم والمثقف وإبعاده عن هموم المجتمع، ومنها العمارة التي أحبطت نخبها وذهب بعضها إلى ابتكار أشكال غير عقلانية. موقف لا يعبّر عن انحياز سياسي معين، وإن تشكّل نتيجة نشأته في عائلة أشار إلى أدوارها النضالية عدد من الدارسين، لكنه يعكس رؤية متجذرة ضدّ السلطوية سواء أكانت من مصدر علماني أم ديني، تبناها نمط حياة يكاد يشبه نماذج استثنائية من الزهّاد والنسّاك في ثقافات متعددة. ومن دون فهم للسياق الذي راكم فيه تجربته، ربما يصعب تفهم بعض آرائه الصادمة، ومنها قناعة مبكرة تشاركها مع زوجته التي ارتبط بها عام 1951 بعدم الإنجاب، لأنّ البشرية لا تحتاج مزيداً من الأفراد لتخريب الأرض، أو تركه وصية بحرق جثته بعد الموت، حتى لا يدنّس الأرض بجسده. امتلك رؤية جذرية ضد السلطوية سواء أكان مصدرها علمانياً أم دينياً لا يمكن أن يُعاش الحاضر بمتخيّلات الماضي وتمجيده؛ عبارة لم ينفصل معناها بين حياة الجادرجي الشخصية ومنظوره للعمارة باعتبارها حواراً فاعلاً ومنتجاً بين مصنّع ومتلقٍ، فإذا ما أُنتجت عمارة "قبيحة" فإنها ستلقي الكآبة على ساكنيها، بينما يحظى قاطنو العمارة الجميلة بحياة هانئة وآمنة، وعلى الفكر المعماري العربي توليد أسس معمارية متوافقة مع ماضيه وحاضره تؤهله لبناء مقومات المستقبل. ورأى أن هناك معوقات تغيّب التحليل العلمي للفن المعماري العربي الذي يُختزل بمصطلحات مثالية حول الإبداع والإحساس وجمال الشكل، وأن الفكر الكامن وراء ذلك لم ينفض عنه بعد هيمنة السلطة متمثلة بالدولة والدين.  وركّز الجادرجي على الأنظمة المستبدة التي سادت في المنطقة العربية منذ السبعينيات، و"سلبت الفرد فرصة التهيؤ لمواجهة متطلبات المعاصرة والتفاعل معها تفاعلاً مناسباً"، وهو ما أدى إلى إرباك في الهوية وأخذ الفكر العربي في البحث عن هوية جديدة تمكنه من استيعاب المتغيّرات في طريقة معيشته، عبر العودة إلى مرجعيات تقليدية غيبية يحتمي وراءها، واندفع العديد من المعماريين إلى نهج مستمد من تلك المرجعيات، بحسب كتابه "في سببية وجدلية العمارة"، الذي يلفت فيه إلى أن هذا السياق فرض سؤالاً محيراً حول إمكانية التعامل مع ما يسميه "رصيد السلف"، أي التراث. داعياً بدوره إلى "اعتماد نهج عقلاني يستند إلى مرجعية مادية الرؤية"، ما يعني إدراك بنيوية العمارة التي تقوم على أن الشكل ما هو إلا حصيلة للحركة في الإنتاج، بينما ينطلق النهج المضاد الذي يعتبر الفكر معطى إلهياً، من أن الشكل حرّ وخارج متطلبات الإنتاج التي تمر بأربع مراحل: الرؤية لشكل العمارة بما يرضي الحاجة الاجتماعية، ثم تنفيذها عبر مصنّع يطوّر الرؤية أو يحسنها بالاستناد إلى معارفه، لتبدأ بعدها عملية التلقي التي تتنهي بتكوين موقف فكري تجاه كفاءة وصلاحية ما جرى تصنيعه، يُستفاد منه في تشكيل الرؤية من جديد. مآلات مأسوية لا تنفصل هذه الخلاصات الفكرية عن نشأته في أسرة بغدادية أرستقراطية تلخص تفاصيلها المآلات المأسوية التي تعرّضت إليها عائلات كوّنت النخب المدينية المتعلمة والمؤمنة بالتحديث في عدد من الحواضر العربية بعد جلاء المستعمر، فجدّه رفعت أول رئيس بلدية لبغداد في أواخر الحكم العثماني، ووالده كامل أحد رموز الحزب الوطني الديمقراطي الذي أيّد انقلاب 1936 لمعارضته فساد ودكتاتورية رئيس الوزراء آنذاك نوري السعيد، لكنه سرعان ما تخلى عن منصبه وزيراً في حكومة الانقلاب لأنها سارت على خطى سابقيها، ما جعله رافضاً لجميع الانقلابات العسكرية في العراق والمنطقة. نظر للعمارة باعتبارها حواراً فاعلاً ومنتجاً بين مصنّع ومتلقٍ في هذا البيت، تعلّم رفعة أن الديمقراطية ليست مجرد نظام حكم تشرعنه إرادة الشعب، إنما هي نمط حياة متكامل يمنحه حرية اتخاذ جميع قراراته، باختيار دراسة العمارة في كلية همرسميث بلندن، والاقتران بزوجة، وكذلك عدم فرض تعاليم دينية واجتماعية عليه شريطة احترام الآخر، وربما الأهم من ذلك كله التعبير عن الذات بصدق وجرأة والإيمان بمعنى للوجود يترجمه التزامٌ بالمسؤولية والعمل. تعلّق الجادرجي الطفل بالكاميرا التي ورثها عن أبٍ أُولع بتسجيل الحياة اليومية في مدن وأرياف العراق في فترة شهدت تحولات عدة، لكن عدسة التصوير التي وثّق بها الابن جمالية المكان اضطر أن يستخدمها لتحفظ آخر الصور لواحد من أهم تصميماته التي نُفّذت زمن عبد الكريم قاسم؛ نصب الجندي المجهول، بعد أن قرّر صدام حسين هدمه ليمحو رمزية مرحلة بأكملها، واستبدل بتمثال له أزيل مع احتلال العراق سنة 2003. تناول المعماري كاميرته حين علم بقرار الهدم عام 1981 وذهب إلى موقع النصب في ساحة الفردوس وصوّر الضربات التي نهشته وتركته ركاماً، والتقط صورة له أخيرة بجانبه. لكنه عبّر عن فقده بعبارات مؤلمة وبليغة بعد نحو أربعين عاماً، حين قال في مقابلة تلفزيونية إنه يعلم أنّ أوابد حضارات بلاده على مدى آلاف السنين هُدمت أو تشوهت، ولن يكن مصير تصميماته المعمارية أفضل منها، لذلك دأب على أن يصوّر كل تصميم له منذ لحظة ولادته حتى تنفيذه ثم الهدم.

أخبار ذات صلة.

( نوافذ يمنية) محرك بحث إخباري لا يتحمل أي مسؤولية قانونية عن المواد المنشورة فيه لأنها لا تعبر عن رأي الموقع..

جميع الحقوق محفوظة 2026 © نوافذ يمنية