عربي
تبدو المنطقة اليوم، بعد ما يقرب من ثلاثة وعشرين عاماً على التحولات الجيوسياسية التي أعقبت أحداث 11 سبتمبر 2001، وكأنها تعود إلى النقطة ذاتها التي جرى التحذير منها في بدايات القرن الجديد: مسارٌ متدرّج يستهدف إسقاط البنى المركزية للقوة في العالم العربي والإسلامي، وتهيئة الإقليم لإعادة هيكلة شاملة تُقصي كل فاعل لا يندرج ضمن المنظومة الأميركية–الإسرائيلية.
وإذا كان غزو العراق عام 2003 قد دشّن المرحلة الأكثر دموية في هذا المسار، فإن مرحلة "الربيع العربي" فتحت الباب أمام موجة ثانية من إعادة إنتاج الفوضى، أدّت إلى تفكك سورية وليبيا واليمن، واستنزاف بقية الدول المركزية في المشرق والمغرب على حدّ سواء. أمّا حرب الإبادة في غزة (2023–2025)، وما رافقها من استباحة منظّمة للأراضي السورية واللبنانية، فلم تكن سوى نقطة انطلاق لجولة جديدة من إعادة تشكيل الخرائط السياسية والعسكرية في المنطقة.
في ظل هذا السياق المتراكم، تقف إيران اليوم أمام أخطر لحظاتها منذ انتصار الثورة الإسلامية عام 1979، إذ تتقاطع العوامل الداخلية المتفجرة مع الضغوط الخارجية المتعاظمة، على نحو يجعل النظام الإيراني هدفاً مباشراً لإعادة هندسة ميزان القوى الإقليمي.
ويمكن تمييز ثلاثة مستويات رئيسة لهذا الضغط.
أولها، الضغط الداخلي الناتج عن احتجاجات اجتماعية وسياسية متكررة، تتصاعد حدّتها مع تفاقم الأزمات الاقتصادية وتعزّز الانقسامات بين الأجنحة المحافظة والإصلاحية. ولا ينفصل هذا الحراك عن توظيف أميركي–غربي متزايد لأدوات الحرب السيبرانية والإعلامية، في إطار آليات تشبه "الثورات الملوّنة" التي استُخدمت في ساحات أخرى خلال العقدين الماضيين.
أما المستوى الثاني، فهو الضغط الاقتصادي الناتج عن عقوبات ممتدة منذ أربعة عقود، أدّت إلى إنهاك الطبقة الوسطى، وتآكل قدرة الدولة على توفير السلع الأساسية، وتحويل قطاعات واسعة من الاقتصاد إلى اقتصاد ظلّ تديره شبكات مرتبطة بالحرس الثوري. وبدلاً من دفع النظام نحو تسوية، خلقت هذه العقوبات بيئة خصبة للاحتجاج، تعمل واشنطن وحلفاؤها على تضخيمها وتحويلها إلى أداة اختراق سياسي ممنهج.
ويتمثل المستوى الثالث في الضغط العسكري–الجيوسياسي الذي برز بوضوح بعد حرب غزة، حيث سعت إسرائيل، بدعم أميركي مباشر، إلى اختبار حدود الردع الإيراني عبر ما عُرف بـ"حرب الأيام الاثني عشر". غير أن قدرة إيران على توجيه ضربات دقيقة نحو العمق الإسرائيلي، وما أظهرته من منظومات صاروخية متقدمة، فرضت على واشنطن إعادة حساباتها.
ومع فشل الضربة العسكرية في تحقيق نتائج استراتيجية حاسمة، برز السيناريو البديل: الدفع نحو إسقاط النظام من الداخل بكلفة أقل، عبر دعم قوى المعارضة المنفية، وإعادة إحياء ورقة "عودة الشاه" من خلال حفيده المقيم في الغرب.
أن انهيار إيران سيضرب العمق الاستراتيجي لسورية والعراق ولبنان، ويفتح الباب أمام موجة تفكك ثالثة بعد موجتي 2003 و2011
إن ما يجري لا يُعدّ حدثاُ إيرانياً معزولاً، بل فصلاً جديداً من مشروع يستهدف استكمال تصفية محور دعم المقاومة وإعادة صياغة النظام الإقليمي. فإسقاط طهران، أو إضعافها جذرياً، يعني عملياً تجفيف شرايين الدعم السياسي للمقاومة الفلسطينية، وانكشاف حزب الله، وتحييد اليمن، وفتح الطريق أمام تسوية إسرائيلية شاملة تُفرض على المنطقة من موقع قوة. كما أن انهيار إيران سيضرب العمق الاستراتيجي لسورية والعراق ولبنان، ويفتح الباب أمام موجة تفكك ثالثة بعد موجتي 2003 و2011.
غير أن سيناريوهات إسقاط النظام الإيراني بالغة التعقيد، ليس فقط لطبيعة النظام ذاته، بل أيضاً للبنية الاجتماعية والجيوسياسية التي تجعل من إيران عقدة توازن إقليمي يصعب تفكيكها دون تداعيات واسعة. فالساحة الداخلية الإيرانية تفتقر إلى معارضة تمتلك تنظيماً راسخاً أو قاعدة شعبية قادرة على تولّي السلطة في حال انهيار النظام، كما أن الشخصيات المطروحة كبدائل –مثل رضا بهلوي– لا تبدو قادرة على إنتاج مشروع سياسي جامع يتجاوز الإرث التاريخي للسلالة البهلوية.
ويتقاطع هذا الضعف الداخلي مع جغرافيا سياسية حسّاسة، تجعل أي انهيار مفاجئ للنظام محفوفاً بارتدادات قد تتجاوز حدود إيران نحو الخليج والجزيرة العربية، نظراً لدور إيران بوصفها مركز ثقل يمتد تأثيره من خراسان شرقاً إلى الممرات الحيوية غرباً. وتتعاظم المخاطر مع وجود جالية يهودية كبيرة وفاعلة اقتصادياً داخل إيران.
كما أن تفكك الدولة قد يطلق ترسانة عسكرية تضم تقنيات صاروخية ومسيّرات متقدمة، ما يهدد بانزلاقها إلى جماعات مسلحة أو شبكات تهريب سلاح، وهو سيناريو لا يمكن لواشنطن وحلفائها تجاهله. وتُضاف إلى ذلك المخاوف الاقتصادية، إذ سيضع انهيار الدولة استثمارات الصين وأوروبا في قطاع الطاقة أمام مخاطر غير مسبوقة، في وقت تعتمد فيه بكين على النفط الإيراني وترتبط بعقود استراتيجية مع طهران، بينما ستخسر روسيا والصين أحد أهم روافد مشروعهما الأوراسي.
أما المقاربة الأميركية، فلا يمكنها استنساخ تجربة فنزويلا في الحالة الإيرانية؛ فالتدخل هنا قد يفتح على صراع إقليمي ودولي متشعّب، يطال مصالح الولايات المتحدة نفسها وحلفاءها في الخليج، ويهدد أمن إسرائيل. ويبرز عامل إضافي يتمثل في أن باكستان لن تقف على الحياد، إذ تنظر إلى سقوط إيران بوصفه مدخلاً لتغلغل إسرائيلي–هندي قد يخلّ بتوازن الردع النووي في جنوب آسيا.
وفوق ذلك، فإن أي فراغ في السلطة قد يوفر فرصة ذهبية للجماعات المعادية للولايات المتحدة في خراسان والشرق الأوسط، بما يسمح لها بتوسيع نفوذها وامتلاك قدرات صاروخية ومسيّرات متقدمة، قادرة على استهداف المصالح الأميركية والوصول إلى عمق تل أبيب.
لذلك، يبدو خيار إسقاط النظام الإيراني مغامرة عالية الكلفة، قد تشعل فوضى إقليمية ودولية تتجاوز قدرة واشنطن على الاحتواء، ما يجعل الحفاظ على الاستقرار النسبي القائم، رغم تعقيداته، أقل خطورة من المجازفة بفتح سيناريو انهيار شامل.