عربي
اليوم الرابع من شهر يناير/ كانون الثاني (الجاري) هو اليوم العالمي للغة برايل، وتوافق هذه الذكرى مولدَ لويس برايل، مخترع اللغة التي مكّنت المكفوفين من أن يُبصروا ضوء الكتاب والمعرفة، وسمحت لهم بقراءة الكتب عبر اللمس.
لا بدّ أن في حياة كلٍّ منا ذكرى مع "المبصرين"، حسب التلطيف الجميل للغة الضاد في وصفهم؛ حين تعوّض البصيرةُ البصرَ المفقود. وقد أثبتوا أن البصيرة ليست بعيدةً ممَّن مرّ في حياتنا من عميان. يتمتّع المكفوف بحاسّةٍ وقّادةٍ، وذكاءٍ يكاد يزن مجموعةً من الأشخاص، كما عند طه حسين عربياً، وبورخيس عالمياً، كما يتميّزون بروح الخفّة والدعابة وحضور البديهة.
في طفولتي، كان جدّي يأتي بمعلّمٍ أعمى ليحفّظ بناته القرآن الكريم. ويذكر الكاتب البرتغالي لويس ساراماغو في روايته "قصة حصار لشبونة" (عن الحضور العربي في تاريخ المدينة) أنه في تلك الحِقب، كان يُشترط أن يكون مؤذّن المسجد أعمى، حتى لا ينكشف بصره على صحون البيوت التي تحيط بالجامع؛ إذ سيصعد إلى قمّة المئذنة التي تعلو جميع البيوت لكي يطلق من هناك نداءَ الصلاة خمس مرّات في اليوم. وفي ذلك تصرفٌ ذكي من المجتمع حينها.
ومن أهم القصص التي كتبها يوسف إدريس، "بيت من لحم"، كان بطلها معلّماً أعمى. ومع رحيل المخرج المصري المتميّز داود عبد السيّد أخيراً، كانت العلامة الأكثر بروزاً في مسيرته فيلم "الكيت كات"، يؤدّي فيه محمود عبد العزيز دور المكفوف. امتزجت في هذا الفيلم عبقريتا المخرج ومحمود عبد العزيز؛ كان مكفوفاً يحاول قدر الإمكان أن يكون مبصراً، وأن يتصرّف وكأنه يرى كل شيء أمامه بوضوح رغم العمى. دخل هذا الفيلم ذاكرة السينما العربية ولم يغادرها. والمكفوفون عادةً يتميّزون بهذه الحدّة من الذكاء التي يعوّضون بها فقدان البصر. وبالمثابرة من أجل التميّز؛ فحين نعلم كمَّ الكتب التي قرأها طه حسين نصاب بالذهول. أتذكّر مرّة أنني اقتنيت كتاباً قديماً من سوق للخردة في الرباط، وكان الكتاب بلا غلاف، وهو مقالات كتبها طه حسين، ضمنها قراءته وإعجابه برواية للكاتب اليوناني نيكوس كازنتزاكيس قرأها بالفرنسية. وروايات كازنتزاكيس، حين تُرجمت لاحقاً إلى العربية، استقبلناها بالإعجاب نفسه الذي أعلنه طه حسين قبلنا بسنين طويلة.
في الأرجنتين، قرأ بورخيس كل ما لا يخطر على بال، بل ظلّ يقرأ بالقوة نفسها حتى حين فقد بصره في منتصف العمر، حتى تمنى أن تكون جنّة الخلد الموعودة على هيئة مكتبة، لكي يتمكّن من أن يُكمل الكتب التي لم ينهها بعد، سيّما التي كُتبت بالعربية. ففي آخر أيامه، حين كان مقيماً في سويسرا، جاء بمعلّم مصري من الإسكندرية لكي يعلمه العربية، كما أنه قرأ "ألف ليلة وليلة" بثلاث لغات، ومن طريق ثلاثة مترجمين (إنكليزي وفرنسي وإسباني)، وكم تمنى أن يقرأها بلغتها الأم (العربية).
حين كنت أقيم للدراسة في المغرب في التسعينيّات، جمعتني رفقة طويلة بالمغربي سعيد الوكيلي، وهو صديق كفيف يتمتّع بروح جميلة وذكاء وقّاد. عشنا معاً، في الرباط ومدينته فاس، حيث أنشأت الدولة للمكفوفين داراً خاصة في المدينة القديمة بفاس، وهي دار أثرية مبنية من الطين وليس فيها كهرباء. وأتذكّر حين زرته للمرّة الأولى، واحتجت في آخر المساء أن أذهب إلى بيت الخلاء، طلب من رفيقه نور الدين أن يصحبني، فما كان من هذا الرفيق إلّا أن أشعل مصباحاً يدوياً، حتى يضيء لي الطريق كي لا أتعثّر.
وفي الرباط، كنّا نتمشى طول اليوم، وأحياناً ندخل السينما. وإذا كان الفيلم فرنسياً، نتّفق على أن يترجم لي الكلام وأترجم له بعض المشاهد. وذات يوم وقعنا فيما يشبه المقلب، في أسبوع للسينما الأوروبية، حين وجدنا الفيلم باللغة الألمانية، ولم يكن سوى محاضرة (!)، وحين سألني عمّا أرى قلت له: لا يوجد فيلم، إنما شخص يلقي محاضرة. وحين سألته عمّا يسمع قال لي إنّ المتحدّث لا يتحدّث الفرنسية، إنما لغة أخرى. فخرجنا في ربع مدّة عرض الفيلم ونحن نضحك، وكان الناس يتلفّتون.

أخبار ذات صلة.
"قسد"... سيرة أداة
العربي الجديد
منذ 36 دقيقة