"الجمهورية الجديدة" تحكم الرياضة المصرية
عربي
منذ 5 أيام
مشاركة
صُدم المصريون بخروج منتخب بلدهم لكرة القدم من الدور نصف النهائي لبطولة أمم أفريقيا التي انتهت في المغرب، أمس الأحد. لم تكن الصدمة بسبب العجز عن الفوز بالبطولة أو حتى المنافسة عليها في المباراة النهائية، بل كانت صدمة المصريين بسبب الظهور الباهت للفريق والأداء السيئ للاعبين، فضلاً عن الإدارة العقيمة للجهاز الفنّي. وتبع الهزيمةَ إدلاءُ مدرّب المنتخب المصري، حسام حسن، بتصريحات منفلتة هاجم فيها جمهورَ المغرب، البلدَ المضيف. ثم زاد الطين بِلّةً بتلميحات سالبة حول التحكيم ووجود مؤامرة لإقصاء المنتخب المصري. ثم، في المؤتمر الصحافي، عشية مباراة مصر ونيجيريا، أمس الأول السبت، تعامل حسن بشكل غير لائق مع صحافي مغربي. بشكل عام، لم يكن سلوك المدرّب المصري على مستوى المسؤولية، تماماً مثلما كان أداؤه هابطاً فنيّاً. ويجسّد هذا التردّي الأخلاقي والفنّي حال كرة القدم والرياضة المصرية عموماً في عهد "الجمهورية الجديدة"، العهد الذي لا جديد فيه سوى شقّ طرق ورفع جسور وإرساء كتل خرسانية، بدلاً من إحياء قيم وإعمال معايير تقييم ومحاسبة. بدليل أن الاتحاد المصري لكرة القدم أصدر بياناً، بعد ساعات من هزيمة المنتخب المصري، يجدّد فيه الثقة بالجهاز الفنّي. صحيح أن هذا الموقف المتسرّع في تثبيت المدرّب الفاشل كان قبل تصريحاته المُستفِزّة التي قد تتسبّب في أزمة بين القاهرة والرباط، وربما تغيّر الوضع قريباً بإقالته بعد توالي انفلاتاته وعصبيته المسيئة. ذلك الخلل ملموس بوضوح في كرة القدم لشعبيتها، فيما يتفشّى بأشكال متعدّدة في المنظومة الرياضية ككل؛ إذ تسود الشللية وتختفي المعايير الموضوعية في اختيار المسؤولين واللاعبين والمدرّبين. ولم ينسَ المصريون بعدُ واقعةَ الاشتباك اللفظي بين قائد منتخب كرة الطاولة ولاعبٍ في الفريق، مدلّل لأنه ابن رئيس اتحاد اللعبة. وفي وقائع مشابهة في رياضات أخرى، استُبعد لاعبون مميّزون لمصلحة آخرين أقلّ كفاءةً وجدارة، لكنّهم على صلة شخصية بأحد المسؤولين أو ذوي قرابة بشخص نافذ. ويُعمّق هذا الوضع المعوّج غيابُ المساءلة عن أيّ مخالفات أو فساد. والأمثلة على ذلك كثيرة، لعلّ أشهرها وفاة لاعب كرة القدم أحمد رفعت (مارس/ آذار 2024) بعد تعرّضه لخداع أحد مسؤولي اللعبة. وبعد شهور، أُحيلت الواقعة إلى النيابة العامة لامتصاص استياء الرأي العام، وانتهت التحقيقات إلى أن أسباب الوفاة صحّية وراثية (!)، ومات الموضوع كما مات رفعت. ورغم مرور أكثر من عام ونصف عام على مشاركة مصر في دورة الألعاب الأولمبية في باريس (يوليو/ تموز وأغسطس/ آب 2024)، لم تظهر حتى الآن نتائج التحقيقات التي أعلنتها وزارة الشباب والرياضة لبحث أسباب النتائج الهزيلة للفِرق المشاركة وسبل تحسينها مستقبلاً، فضلاً عن محاسبة المسؤولين المتسبّبين فيها. وبدلاً من الاهتمام بمحاسبة المخطئين وتصحيح الأوضاع، وجّهت السلطة في مصر اهتمامها إلى تعديل قانون الرياضة، الذي صدر عام 2017، أي قبل أعوام قليلة. وكان هدف التعديل تكريس مركزية الإدارة والقرار، والقضاء على ما بقي من استقلالية في إدارة الأندية والمؤسّسات الرياضية، وإخضاعها بصورة كاملة وشاملة للسيطرة الحكومية، بعد اتضاح وجود حالات استثنائية من التميّز المؤسّسي والنجاح الذاتي بشكل مستقلّ عن الدولة. وكأن إحكام القبضة بحدّ ذاته هدفٌ جوهريٌّ يستحقّ التضحية بالنماذج الناجحة. أوجه الخلل في الرياضة المصرية متنوّعة ومنتشرة، غير أن مصدرها واحد: غياب المعايير وافتقاد النزاهة والشفافية. وهي ظاهرة عامة تتجاوز الرياضة، وتُميّز أوجه الحياة العامة في "الجمهورية الجديدة"، التي تكاد تخلو من جديد سوى المزيد من تلك المظاهر الفاسدة والمُفسِدة.

أخبار ذات صلة.

( نوافذ يمنية) محرك بحث إخباري لا يتحمل أي مسؤولية قانونية عن المواد المنشورة فيه لأنها لا تعبر عن رأي الموقع..

جميع الحقوق محفوظة 2026 © نوافذ يمنية