عربي
على الرغم من بوادر التهدئة وسحب فتيل التصعيد ما بين الحكومة السورية و"قوات سوريا الديمقراطية"، (قسد)، الذي بدأ مساء أمس الجمعة الماضي مع إعلان قائد "قسد" مظلوم عبدي عن قرار سحب قواته من مناطق التماس الحالية شرقي حلب، وذلك نحو إعادة تموضع في مناطق شرق الفرات، وإصدار الرئيس السوري أحمد الشرع مرسوماً تضمن بنوداً تضمن حقوق الأكراد السياسية والثقافية والقانونية في البلاد، إلا أن المشهد العسكري بين الجيش و"قسد" سرعان ما عاد إلى الواجهة، بعدما انتقلت الاشتباكات بين القوات الحكومية السورية و"قوات سوريا الديمقراطية" (قسد)، اليوم السبت، من ريف حلب الشرقي غرب الفرات، إلى منطقة الرقة على الضفة الشرقية من النهر.
واليوم تبادل الجيش و"قسد" اتهامات بخرق الاتفاق الذي يشمل سحب مقاتلي "قسد" من غرب الفرات ودخول الجيش السوري إلى مسكنة ودير حافر في ريف حلب الشرقي، فيما اندلعت اشتباكات بين الطرفين في منطقة دبسي عفنان، غربي الرقة ومنطقة الطبقة جنوبيّها، ومنطقة الرصافة بريف الرقة الجنوبي، فيما أفاد مصدر أمني سوري وآخر دفاعي تركي لـ"رويترز" بأن طائرات التحالف الذي تقوده الولايات المتحدة حلقت فوق بلدات شهدت اشتباكات. وقال المصدر الأمني السوري إن الطائرات أطلقت قنابل مضيئة تحذيرية فوق المنطقة، فيما لم يرد التحالف بعد على استفسارات من "رويترز".
عشائر دير الزور والحسكة تطالب بدخول الدولة وتحمل مسؤولياتها
يأتي ذلك وسط مؤشرات على احتمال انتقال هذه التوترات العسكرية بين الجيش و"قسد" إلى مناطق أخرى، خصوصاً في المناطق الخاضعة لسيطرة "قسد"، وسط مطالبة عشائر محافظة دير الزور شرقي البلاد، في بيان اليوم، الجيش السوري "بالتدخل الفوري ودخول مناطق الجزيرة السورية شرق الفرات، بصفته الجهة الشرعية المخوّلة حماية الحدود واستعادة الأمن وفرض السيادة على كامل أراضي المحافظة". كما أعلنت استعدادها "الكامل للتعاون مع الدولة السورية وأجهزتها المختصة وتقديم كافة أشكال الدعم اللوجستي والمجتمعي، للمساهمة في إخراج تنظيم قسد من المنطقة وضمان عودة مؤسسات الدولة إلى عملها الطبيعي". كما طالب البيان "التحالف الدولي بممارسة ضغط حقيقي وفعال على قيادة قسد للانخراط في عملية الاندماج الوطني مع الدولة السورية"، في إشارة إلى اتفاق 10 مارس/ آذار الماضي، بين دمشق و"قسد". كذلك دعت عشائر وقبائل في محافظة الحسكة، في بيان مشترك، اليوم، إلى "سحب أبنائهم من أي تشكيلات عسكرية خارج إطار الدولة، وعدم الزج بهم في مسارات "لا تخدم مصلحة المجتمع ولا وحدة الوطن"، مطالبة الدولة السورية بالدخول إلى جميع مناطق محافظة الحسكة وتحمل مسؤولياتها الأمنية والإدارية والخدمية.
وعاد التوتر اليوم بين الجيش و"قسد" إلى جبهة ريف حلب الشرقي، غداة إعلان قائد "قسد" مظلوم عبدي عبر منصة إكس، مساء أمس، أنه "بناء على دعوات من الدول الصديقة والوسطاء، وإبدائنا لحسن النية في إتمام عملية الدمج والالتزام بتنفيذ بنود اتفاقية العاشر من مارس، قررنا سحب قواتنا غداً (اليو) صباحاً الساعة السابعة، من مناطق التماس الحالية شرقي حلب والتي تتعرض لهجمات منذ يومين، وذلك نحو إعادة تموضع في مناطق شرق الفرات".
اتهامات متبادلة بين الجيش و"قسد"
لكن سرعان ما تبادل الطرفان الاتهامات بخرق الاتفاق. وأعلنت هيئة العمليات في الجيش السوري، اليوم، مقتل جنديين وإصابة آخرين في استهداف دورية للجيش، إذ نقلت الوكالة السورية للأنباء (سانا)، عن الهيئة أن "قوات تنظيم قسد خرقت اتفاق دخول الجيش دير حافر ومسكنة واستهدفت دورية للجيش العربي السوري قرب مدينة مسكنة، ما أدى إلى استشهاد جنديين وإصابة آخرين". وكانت هيئة العمليات قد أعلنت بسط سيطرتها على 34 قرية وبلدة بريف حلب الشرقي، وسط تسليم المئات من عناصر "قسد" أنفسهم للجيش، وتأمين خروج أكثر من 200 من قوات "قسد"، وفق "سانا". في الأثناء، أعلنت هيئة العمليات في الجيش، اليوم، أن منطقة غرب الفرات "منطقة عسكرية مغلقة" بعد استهداف مليشيات حزب العمال الكردستاني "قوات الجيش أثناء تطبيقها للاتفاق".
من جهته، توجه وزير الدفاع السوري، مرهف أبو قصرة، إلى عناصر الجيش، قائلاً في منشور على منصة إكس: "كونوا كما عهدناكم نموذجاً في الانضباط والالتزام، منفذين للتعليمات والأوامر بدقة، أوفياء لمسؤوليتكم في حماية المدنيين وصون ممتلكاتهم، حريصين على عدم السماح بأي تجاوز أو إساءة بحق أي إنسان مهما كانت قوميته أو انتماؤه". وتابع: "الشعب السوري بكل أطيافه أمانة بأعناقكم فكونوا جنوداً أوفياء لسورية وشعبها".
"قسد" تتهم حكومة دمشق بالغدر وخرق اتفاق دير حافر ومسكنة
في المقابل، قال المركز الإعلامي لـ"قسد"، في بيان اليوم، إنه "نتيجة غدر حكومة دمشق وخرقها للاتفاقية المبرمة برعاية دولية، لا تزال مجموعات من مقاتلينا محاصَرة في مدينتي دير حافر ومسكنة، رغم أن الاتفاق نصّ على مهلة 48 ساعة لانسحاب قواتنا". وتابع البيان: "حكومة دمشق انتهكت الاتفاق وهاجمت مقاتلينا باستخدام الدبابات، ما أدى إلى استشهاد عدد منهم"، محملاً "حكومة دمشق والقوى الدولية الراعية كامل المسؤولية عن أمن وحياة مقاتلينا المحاصَرين". وأكد البيان على "ضرورة ضمان وصولهم بسلام، مع أسلحتهم، إلى مناطق شمال وشرق سورية". وفي بيان لاحق قال المركز الإعلامي لـ"قسد" إن مدينة مسكنة شهدت "اشتباكات نتيجة الخروقات التي ارتكبتها حكومة دمشق لبنود الاتفاق المتفق عليه برعاية دولية"، مضيفاً أن "وقف الاشتباكات يتطلب توقف هذه الخروقات والالتزام الكامل بالاتفاق من دمشق، وذلك حتى إتمام انسحاب مقاتلينا من مدينتي مسكنة ودير حافر وفق ما تم التوافق عليه".
أما في الرقة التي انتقلت إليها اشتباكات الجيش و"قسد" فقالت إدارة الإعلام والاتصال في وزارة الدفاع لـ"سانا"، إن "حزب العمال الكردستاني استهدف قوات الجيش ببلدة دبسي عفنان بالطائرات الانتحارية، ما أدى لاستشهاد جنديين". كما أعلنت سيطرة الجيش على حقل صفيان النفطي وعقدة الرصافة وحقل الثورة بالقرب من مدينة الطبقة، ما يعني الاقتراب من هذه المدينة من الجنوب. وطالبت في أكثر من بيان المدنيين بالابتعاد عن مواقع عسكرية تابعة لقوات "قسد" في الطبقة والرقة، والمسافة بينهما 50 كيلومتراً. ولاحقاً أعلنت هيئة العمليات أن الجيش بسط سيطرته على منطقة الرصافة وقلعتها الأثرية، بالإضافة إلى سبع قرى بمحيطها، فيما قوات الجيش "تضيق الخناق أكثر على مطار الطبقة العسكري الذي تتخذه مليشيات العمال الكردستاني الإرهابية قاعدة أساسية لعملياتها".
في الأثناء قالت الهيئة نفسها، في بيان لقناة الإخبارية السورية، إن "مليشيات العمال الكردستاني قامت بتلغيم جسر شعيب الذكر في ريف الرقة الغربي، بهدف إيقاف تطبيق الاتفاق القائم في المنطقة"، محذّرة من أن تفجير الجسر سيؤدي إلى تعطيل الاتفاق، ومؤكدة أن "هناك عواقب وخيمة جداً" في حال تنفيذ ذلك.
أما على صعيد "قسد"، أعلنت "الإدارة الذاتية"، أنه "بناء على مقتضيات المصلحة العامة وحرصاً على حفظ الأمن والاستقرار، تم فرض حظر تجوال كلي في مدن الطبقة ومنصورة والجرنية بريف محافظة الرقة". من جهته أعلن المركز الإعلامي لـ"قسد"، في بيان، اندلاع "اشتباكات في منطقة دبسي عفنان غربي الرقة عقب عملية غدر نفذتها فصائل حكومة دمشق، عبر الهجوم على نقاط قواتنا، في خرقٍ واضح للاتفاق المبرم برعاية دولية". وفي بيان لاحق قال: "تخوض قواتنا حالياً اشتباكات عنيفة مع فصائل تابعة لحكومة دمشق، إثر خرقها للاتفاق الموقع، في منطقة حل الثورة جنوب منطقة الطبقة، والتي كانت خارج نطاق الاتفاق".
وفي الحسكة، أفادت شبكة الخابور (المهتمة بأخبار المنطقة الشرقية من سورية)، ظهراليوم، بأن قوات التحالف الدولي باشرت بسحب بعض معداتها العسكرية من قاعدة الشدادي الواقعة جنوب مدينة الحسكة، ونقلها إلى قاعدة خراب الجير شمال شرقي المحافظة، في خطوة تأتي في ظل تحركات عسكرية متواصلة تشهدها مناطق شمال شرقي سورية. وتشير المعطيات الميدانية إلى أن الجيش السوري في طريقه إلى دفع قوات "قسد" إلى شمال نهر الفرات، ما يعني استعادة السيطرة على شريط قرى على سرير النهر الجنوبي يمتد من قرية شعيب الذكر غرباً إلى الحدود الإدارية مع بلدة معدان شرقاً. وفي قلب هذا الشريط تقع مدينة الطبقة الاستراتيجية التي تضم سد الفرات، أكبر السدود في البلاد.
وبشأن الاشتباكات بين الجيش و"قسد" رأى المحلل العسكري السوري، العميد فايز الأسمر، أن "الدولة السورية اتخذت القرار باستعادة السيطرة على كامل المناطق التي تقع جنوب نهر الفرات والواقعة تحت سيطرة قوات قسد، بما فيها الطبقة ومحيط سد تشرين". ورجّح في حديث لـ"العربي الجديد"، حدوث انهيار في قوات "قسد"، وخصوصاً "من فلول (نظام) الأسد المنضوين في هذه القوات والعناصر العربية".
مرسوم رئاسي
وكان تطور آخر قد برز مساء أمس الجمعة، وسط التوترات بين الجيش و"قسد". فقد أعلن الرئيس السوري مرسوماً ينص على أن "المواطنين السوريين الأكراد جزء أصيل من الشعب السوري". كما اعتبر المرسوم أن عيد النوروز (21 مارس/آذار) الذي يحتفل به الأكراد، عيد وطني، فيما عدّ اللغة الكردية "لغة وطنية، ويُسمح بتدريسها في المدارس الحكومية والخاصة في المناطق التي يشكّل فيها الأكراد نسبة ملحوظة من السكان". كذلك منح الجنسية السورية لجميع المواطنين من أصول كردية المقيمين على الأراضي السورية، بمن فيهم مكتومو القيد.
لكن "الإدارة الذاتية" التابعة لقوات "قسد"، في شمال شرق سورية، وفي رد أولي على المرسوم، قالت في بيان إن "أي مرسوم، مهما كانت نياته، لا يشكّل ضمانة حقيقية لحقوق المكونات السورية ما لم يكن جزءاً من إطار دستوري شامل يقرّ ويصون حقوق الجميع دون استثناء". في المقابل رحب رئيس إقليم كردستان العراق نيجيرفان البارزاني، في بيان اليوم، بالمرسوم، واعتبره "خطوة سياسية وقانونية مهمة وصحيحة نحو بناء سورية الجديدة".
في هذا الصدد، قال باسل اليوسف وهو ناشط سياسي كردي مستقل، لـ"العربي الجديد"، إن المرسوم "حقق ما طال انتظاره"، مشيراً إلى أن الأكراد في سورية "لم يعودوا طرفاً في هذا الصراع السياسي والعسكري بين قسد والدولة السورية". من جهته رأى زيد سفوك المنسق العام للحركة الكردية المستقلة في حديث مع "العربي الجديد"، أنه "لم يسبق لرئيس دولة أن أصدر مرسوماً خاصاً للشعب الكردي بهذه الدقة والخصوصية".
من جهة أخرى، اعتبر الباحث السياسي السوري، مؤيد غزلان، في حديث مع "العربي الجديد"، أن المرسوم "بدا وكأنه مقدمة لدستور سيفصل بشكل أكبر الحقوق الكردية"، مشيراً إلى أن "هذه الحقوق جاءت عبر مرسوم وليس عبر المفاوضات مع قسد، ما يعطي الدولة نقطة متقدمة جداً وريادة". وبيّن غزلان أن قيادة "قسد" أعطت في التفاوض الأولوية لـ "المكاسب التابعة لها ولحزب العمال الكردستاني". والمطلوب الآن، وفق غزلان، "تهيئة قيادة كردية وطنية تعتبر الحقوق العامة أهم من المكاسب الشخصية".

أخبار ذات صلة.
ترامب وغرينلاند
العربي الجديد
منذ 5 دقائق
المنصات الرقمية وإعادة تشكيل الدماغ
العربي الجديد
منذ 8 دقائق