حروب أهلية موازية
عربي
منذ 6 أيام
مشاركة
لم يعد خافياً على أحد تشرذُم المجتمع السوري وارتفاع حدّة الاستقطاب ما بين عناصره البشرية والسياسية والثقافية والقانونية والبيئية كافة، حيث تحوّل المعلقون والقارئون للشأن السوري، وبخاصة لبنيته المجتمعية ولطبيعته الهُويّاتية المتنوّعة نحو توجيه أسئلةٍ جديدة تتماشى مع الحدّة الظاهرة والقابلة للانفجار بين الهُويّات التي باتت مُتنافرة وغير قابلة للجمع تحت عنوان واحد، وهو الهُويّة الوطنية السورية الجامعة. بعد كلّ اشتباك أو استهداف عسكري، يتحوّل الصراع إلى واقع ثابت، لكن بين أفراد المجتمع الواحد باختلاف مذاهبه وطوائفه وأماكن سكنه ولغته وزيّه وقواعد الاحتكام القانونية أو المُجتمعية فيه. صراعٌ منفلت من قواعد الحذر، ومن التنبّه إلى شرط التزام خريطة هُويّاتية وطنية واحدة تسعى للملمة الجراح ورأب الصدع. يسمّي البعض ذاك النكوص بحفلات الردح التي لا تبقي ولا تذر، وهي تهدر كرامات الآخرين وتعبث بوقائع يوميّاتهم، بل قد تتجرّأ على التلاعب بتاريخ وجودهم في محاولة لنكران وطنيتهم أو جذورهم السورية الأصلية، وقد تزيِّف السرديات أو تحجبها في سعي محموم لاحتكار سردية واحدة مُنفلتة السيطرة، باطشة ومُلغية لكلّ السرديات المُوازية، في محاولة ليس فقط لاحتكار الحقيقة فحسب، مع أنّها تشكّل جزءاً واحد اً منها، بل أيضاً من أجل ليّ عنق السرديات الأخرى في ما يشبه العقاب الجماعي المُجتمعي المُنفّذ والمُعمّم بعدائية وبصورة قطعية وحاسمة. تكرّرت اتهامات التخوين والتسفيه على صفحات منصّة فيسبوك بعد أن تحوّل إلى مساحة صراع مُجتمعية علنية، ولم تقتصر الاتهامات على العبارات التي شكّلت قاموساً ترهيبياً مُستجدّاً، بل تعدّى ذلك إلى هجوم مُركّز، وإن بصورة بعيدة عن العين، تستعمل لغة التهديد أو الاستخفاف لإدانة خاصة بالشخص الذي أُعلِنَت الحرب عليه.  عاد الموت إلى شوارع سورية بعد أن استبشر الجميع بأنّه قد توقّف إلى الأبد تقول (ج.م)، إنّها، منذ سقوط النظام، بدأت تراقب بحذر شديد كلّ منشور تكتبه، وتعترف بسخرية حزينة بأنّ الشرطي المُراقب والمهدّد بالعقاب قد تضخّم في داخلها، وبدأت تمارس دوراً رقابياً صارماً على كتاباتها التي تراجعت بشكل ملحوظ، كما تراجع عدد أصدقائها وصديقاتها المُنسحبين بهدوء وصمت من صفحتها. الأكثر إيلاماً لها، تصريحها بأنّها قد تسلّمت رسائل كثيرة على بريدها الخاص في منصّة فيسبوك، تسخر منها، ومن أهلها، ومن موقفها الرافض للانتهاكات الحاصلة كافة. ثمّة اتهامات إضافية توجّه لها بشكل خاص لأنها نسوية، بعد أن باتت النسوية تهمة فاحشة تستوجب العقاب والوصم. وقد وصل مستوى التدخّل بكتاباتها على مساحتها الخاصة إلى إحصاء عدد إشارات الإعجاب التي وضعتها على منشورات بعض المؤثّرين الذين اختاروا إعلان مواقفهم المعارضة بشكلٍ واضح. في مشهد دراماتيكي مؤثّر، تناقلت حسابات منصّة فيسبوك فيديو قصيراً لرجل ستيني يسأل صاحب أحد المحال التجارية في حلب في حيّ يجاور حيّ الشيخ مقصود، الذي جرى فيه الصدام بين الجيش السوري وقوات حماية الشعب الكردية، يسأله، عن جاره صاحب محل المشروبات، ليُجيبه الشاب وبلهجة اتهامية "هلق وقت المشروبات؟ روح ع بيتك". أثار الفيديو سخرية الكثيرين لأنّه يخصّ المشروبات الكحولية التي باتت تهمةً بحدّ ذاتها، والأكثر إيلاماً وتعبيراً عن قتامة المشهد حين يجيبه بأنّ صاحب المحل قد مات! ليُجيب الرجل السائل في قلقٍ ظاهر: "مبارح كان عايش"!  يحضر هنا سؤال الموت القريب جدّاً في بلد عاد إليها الموت بعد أن استبشر الجميع بأنه قد توقف للأبد. لكنّ أحدهم قرّر التدخل في محاولة لإعادة كرامة الرجل التي هُدرت حين ظنّ الجمهور بأنه يسأل عن "التوافه والمُنكرات" في حمأة المعارك، ليتضح أنّ الرجل المسكين كان يسأل عن صاحب محل المشروبات لأنّ ابنه أرسل له حوالة مالية إلى المحل المذكور.  في الحروب الأهلية المُوازية لن ينجو أحدٌ، بل ينفتح المشهد العام على لاعبين محليين جدد يتماهون مع فرط القوّة التي ظنّوا أنّهم قد اكتسبوها لإقصاء سواهم، وربما إلغاء وجودهم.

أخبار ذات صلة.

( نوافذ يمنية) محرك بحث إخباري لا يتحمل أي مسؤولية قانونية عن المواد المنشورة فيه لأنها لا تعبر عن رأي الموقع..

جميع الحقوق محفوظة 2026 © نوافذ يمنية