عربي
لم يكن النظام الدولي بعد الحرب العالمية الثانية في يومٍ من الأيام نظامًا ملائكيًا ولا خاليًا من العيوب، ولم تكن مؤسّساته يومًا فضاءً مُحايدًا خالصًا للعدالة أو التنمية. فقد حمل هذا النظام، إلى جانب ما حقّقه من إنجازات في إعادة الإعمار، وتخفيف الفقر في بعض الأماكن، وتوسيع فرص التعليم والصحة في أماكن أخرى، إرثًا ثقيلًا من ازدواجية المعايير الغربية، ومن نزعةٍ جارفة للحفاظ على أشكال جديدة من الهيمنة والاستعمار الناعم تحت عناوين الحداثة والمساعدات والشراكة. ومع ذلك، وبرغم كلّ اختلالاته البنيوية وانحيازاته السياسية، وفّر هذا النظام حدًا أدنى من القواعد المشتركة ومنصّات التنسيق وآليات التفاوض التي جعلت العالم أقلّ فوضوية ممّا كان عليه قبل نشأته.
من هذا المنطلق، تكتسب قرارات إدارة ترامب بتفكيك الوكالة الأميركية للتنمية الدولية السنة الماضية، والانسحاب من عشرات المنظّمات الدولية بداية هذا العام معناها الأعمق، إذ لا تمثّل مجرّد محاولة إصلاح لنظام مُختل، بل قطيعة مُتعمّدة مع فكرة النظام المُشترك نفسها. فمنطق هذا التوجّه الأميركي الجديد لا يسعى إلى تصحيح اختلالات النظام العالمي المُهترئ، بل إلى الانسحاب من بنيته بالكامل، وإعادة تعريف علاقة الولايات المتحدة بالعالم وفق منطق البلطجة الصريحة لا الشراكة المُقنّعة، والربح الآني لا المسؤولية التاريخية. وهكذا يتحوّل التعاون الدولي من كونه ساحة تفاوض وصراع داخل قواعد نسبية مشتركة إلى فضاء مفتوح للتنافس العاري حيث تحكم القوّة وحدها مسار العلاقات الدولية.
فأخطر ما في هذه القرارات لا يكمن في خفض التمويل بحدّ ذاته كما اعتقد الكثيرون العام الماضي، بل في تفكيك البنية غير المرئية التي قامت عليها منظومة العمل الدولي منذ عقود. فهذه المنظومة لم تكن تقوم فقط على الأموال، بل على شبكات التنسيق، وتوحيد المعايير، وتبادل المعرفة، والمساومات، وآليات الاستجابة للأزمات العابرة للحدود، ومنظومات الشرعية المُفترضة التي جعلت من العمل الدولي إطارًا مُتماسكًا نسبيًا رغم كلّ تناقضاته. ومع تراجع الدور الأميركي داخل هذه المنظومة وتحوّله للمفترس الأعظم الذي لا يفكّر سوى بطريدته التالية، يتعرّض النظام العالمي لصدع بنيوي يدفعه بعيدًا عن منطق التعاون نحو التناطح البربري، حيث تُدار العلاقات الدولية بالقوّة والضغط المباشر بدل القواعد والمؤسسات.
العالم لا يتجه بالضرورة نحو فوضى شاملة، بل نحو إعادة توزيع أعمق للنفوذ العالمي
وفي هذا السياق، تتغيّر طبيعة مفهوم التنمية الدولية ذاته. فالتنمية التي كانت تُفهم بوصفها مشروعًا طويل المدى لتحسين شروط الحياة وتعزيز الاستقرار تصبح أداة جيوسياسية خاضعة لموازين النفوذ والمساومات والتحالفات المؤقّتة. وتكون الخسارة الكبرى في القطاعات التي لا تمكن إدارتها إلا بتعاون عالمي مكثّف كالمناخ، والهجرة، والأمن الغذائي، والصحة العالمية، ومكافحة الفقر، وإدارة الأزمات الكبرى. ومع تراجع المنصّات مُتعدّدة الأطراف، تُدفع الدول الهشّة إلى نمط إدارة أزمات دائم، تتآكل فيه قدرتها على التخطيط التنموي المُستدام وتزداد فيه كلفة الاعتماد على الخارج في عالم أكثر تقلبًا وأقل قابلية للتنبؤ.
ويكشف هذا التحوّل عن لحظة تاريخية مزدوّجة الدلالة؛ فمن جهة يتم إضعاف منظومات التنسيق والمرجعيات التي وفّرها النظام القديم رغم اختلالاته، لكنه من جهة أخرى يفتح المجال أمام نشوء تعدّدية قطبية أوسع، يمكن إن أُحسن إدارتها أن تكسر احتكار الغرب لصناعة القواعد والمعايير، وتُخفّف من وطأة الهيمنة الاستعمارية الناعمة التي طبعت النظام الدولي لعقود. فالعالم لا يتجه بالضرورة نحو فوضى شاملة، بل نحو إعادة توزيع أعمق للنفوذ العالمي، تُتيح إمكانيات واقعية لبناء توازنات جديدة أقلّ تمركزًا وأكثر عدالة نسبيًا، حتى وإن كانت أكثر تعقيدًا من النظام السابق.
مرحلة ما بعد شرطي العالم الأوحد لم تعد احتمالاً نظرياً، بل واقعاً يتشكّل أمام أعيننا
أمّا غالبية الدول العربية فتجد نفسها في قلب هذا التحوّل العالمي في لحظة تاريخية شديدة الحساسية. فهي تواجه عالمًا يتراجع فيه المانح التقليدي، وتتآكل فيه منصّات التنسيق، وتتراجع قدرات المنظّمات الدولية، وتتصاعد فيه كلفة الارتهان للتمويل الخارجي، في وقت تتكاثف فيه التحديات السياسية والاقتصادية والمناخية والاجتماعية. وهذا الواقع يفرض على المنطقة الانتقال من موقع المُتلقي للسياسات التنموية إلى موقع الفاعل في صياغتها، عبر تنويع الشراكات الدولية، وتعزيز التعاون الإقليمي، والاستثمار الجاد في بناء القدرات الذاتية، وتطوير نماذج تنموية أقلّ هشاشة أمام التحوّلات الجيوسياسية.
وفي الأفق القريب، يبدو أنّ السؤال الذي سيُهيمن على المرحلة المقبلة لن يكون كيف نحافظ على ما تبقى من نموذج التنمية القديم، بل كيف نصون الاستقرار الاجتماعي والسياسي في عالم يتراجع فيه الضامن الدولي التقليدي وتتصاعد فيه مسؤولية الدول والمجتمعات عن مصائرها. فمرحلة ما بعد شرطي العالم الأوحد لم تعد احتمالًا نظريًا، بل واقعًا يتشكّل أمام أعيننا، ومن يقرأ هذا التحوّل مُبكّرًا ويُعِد تموضعه بذكاء، فلربما يكون أقدر على حماية استقراره ومستقبله في عالم يتغيّر أسرع ممّا تسمح به أدواتنا التقليدية للفهم والتخطيط.
أخبار ذات صلة.
"قسد"... سيرة أداة
العربي الجديد
منذ 35 دقيقة