عربي
هناك، في فناءٍ خارجيٍّ لجامعة السوربون، في باريس، حيث عدة مَقاهٍ، يعلو تمثالان مبنىً للجامعة، لاثنين من عظماء فرنسا، يميناً لعالم الأحياء والكائنات الدقيقة، لويس باستير (1822– 1895)، ويساراً للروائي والشاعر فيكتور هوغو (1802– 1885). لمّا رأيتُني واقفاً أمام المبنى في الساحة، وأنظرُ إلى التمثاليْن المُتقنين، وبرفقة الصديق عيسى مخلوف، أدهشتْني الفكرة البديعة: اجتماع العلم والأدب، الحقيقة والخيال، المعرفة والذائقة، المحسوس والذهني. صاحب "أحدب نوتردام" بلحيته البيضاء يرتدي معطفاً وقاعداً على أريكةٍ، ويبدو ساهماً مع فكرةٍ ما. وعالم الجراثيم والبكتيريا يحمل، في قعدته الرائقة، رمّانةً (أو هكذا بدت لي) في يده اليمني، ويتفرّج عليها، وكأنه يفكّر في شيءٍ ما. كأنما أراد الذين اختاروا هذين الاسمين هنا ترميزاً لفكرة الجامعة العتيدة، التي يعود تأسيسها إلى سبعة قرون، وتوصَف بأنها أشهر جامعات أوروبا، أن نهوض الأمم لا يستقيم من دون نهوضها في العلوم بتنويعاتها والآداب بجماليّاتها وفنونها، فلا المعامل والمختبرات تكفي، ولا قرائح الساردين والشعراء أيضاً، وإنما توازيهما في الجامعات والمعاهد والمدارس.
وهناك، في جولةٍ في "البانثيون" (مقبرة العظماء)، مررتُ بضريح فيكتور هوغو، وقفتُ عنده دقائق، والتقط صورةً لي معه رفيقي في الجولة الصديق بشير البكر. كيف لا، وقد كان هذا الرجل رفيق صبانا الأول، إبّان الابتدائية والإعدادية، بترجماتٍ في طبعاتٍ شعبيةٍ لروايتيْه "البؤساء" و"أحدب نوتردام"، عرفْنا لما كبِرنا أنها مرتَجلة ومجتزأة وتجارية... ولكن، لا بأس. المتعة غزيرة، وتتّسعُ في أثنائها المخيّلة، والصحبةُ طيبةٌ في صفحات "البؤساء" مع جان فالجان، سارق رغيف الخبز الذي سُجن عشرين عاماً (أو أقل). الرواية سفرٌ في التاريخ والاجتماع في فرنسا ما بعد نابليون بونابرت، من عدّة أجزاء (سلقَها المترجمون إياهم وبهدلوها كثيراً). حتى إذا عرَض التلفزيون الأردني مسلسلاً لبنانياً عن الرواية، أدّى فيه أنطوان كرباج دور بطل الرواية المظلوم، ضوعفت المتعة في الفُرجة. وهنا، في باريس، ها هو فيكتور هوغو، أنيقاً عالياً في ساحة جامعةٍ في باريس، أنظر إليه، وأستعيد ذلك الأُنس مع أبطال روايتيه الشهيرتين، كما قرأتُهما، وكما شاهدتُهما في أفلامٍ ومسرحياتٍ عربيةٍ وأجنبية.
مررْنا بضريح لويس باستير أيضاً، قبل أن حدّقتُ فيه قدّامي عالياً في الساحة. يقيم في مقام طيبٍ في الذاكرة، منذ دروس العلوم في الإعدادية. لولاه، على ما تعلّمنا، لما كانت فكرة اللّقاحات المضادة لغير وباء. انشغلَ بالجراثيم، وهو الكيميائي الطبيب. لا أنسى تبجيل مدرّسينا له، وهم يخبروننا، في صغرنا، أن غليان الماء يقتل الميكروبات التي حاربها باستير ببسالة، وأخلصَ لوقاية البشرية منها. وينكتب أنه أحد كبار علماء البشرية الذين ساهموا في بناء أسسٍٍ أولى (وباهرة) لعلم المناعة، بالتطعيم الذي زاولناه صغاراً وكباراً، أو زاوله الأطبّاء (والتمرجية) فينا، لحمايتنا، من الكوليرا التي انشغل بها باستير، وما أكثر ما أشغلنا الفزَعُ منها، وما أكثر ما أنقذونا منها، أهلونا ومدارسُنا ووزارات الصحة، بتطعيمنا ضدّها.
أُعجب هوغو الإسلام، وقرأ القرآن الكريم، وله شعرٌ في مديح الرسول محمّد، وشاع أنه أسلم، وهذا غير صحيح. انتقل من اليمين إلى اليسار. كان نائباً في البرلمان، تصدّى لتسلّط نابليون الثالث، وله دفوعاتٌ في التشديد على الحقوق والحرّيات العامة. نفى نفسه خارج فرنسا، احتماءً من مكروه أو اغتيال. وفي المنفى كتب "البؤساء" (وغيرها)، وهو مسرحيٌّ وشاعرٌ وصاحب فكر وسياسي. ورغم كل العقود منذ وفاته، ما زال الفرنسيون يمحضونه تقديراً استثنائياً (لا أستحسن قول من يقولون بتفوّق أهمية سارتر على أهميّته، وهذا رأيٌ غير مُلزم لأحد). وصفه فلوبير "التمساح الكبير"، وسُمّي "وحش الأدب الفرنسي"، لما لكثيرٍ من أعماله وكتبه الخمسين (تقريباً) من فرادة.
انكتب عن باستير إنه كان جامداً عقائدياً، ومتعجرفاً، ومُخادعاً. ولكننا في غير هذا الوارد، أن نكترث بأي كلامٍ من هذا الصنف، فالذي يحسُن أن يعنينا إخلاصُ هذا الطبيب، المِخبري، للعلم، لمعرفة أسرار أمراضٍ وأوبئةٍ تُحدثها جراثيم غير منظورة. لنكن كما الذين اهتدوا إلى فكرة صحبة لويس باستير مع فيكتور هوغو في فناء الجامعة الفرنسية الأولى، ليقولوا للإنسانية الدرس الأهم: بالعلم والخيال معاً تعلو الأمم والشعوب والحضارات. وهذا صحيح.

أخبار ذات صلة.
ويتكوف وكوشنر في إسرائيل لمناقشة مستقبل غزة
الشرق الأوسط
منذ 12 دقيقة