عربي
يواجه القسم الأكبر من أهل غزّة عواصف الشتاء في ظروفٍ شديدة القسوة، حتى الإفضاء إلى الموت، برداً، أو تجمُّداً، في فئات الأطفال، الأقل قدرةً على الاحتمال، في ظل انكشاف حقيقي أمام منخفضاتٍ عاتية، بالرياح التي تقتلع الخيام، وبتدنٍ لا يُحتمَل في الحرارة، مع انعدام وسائل التدفئة. هذه كأنها دورة أخرى من دورات الحرب؛ ذلك أن ما يحمله الشتاء من خير، وما يعِد به من خصب وحياة، يكاد ينقلب تهديداً لمن عاشوا ويعيشون أحوالاً غير طبيعية، عدائية. يظهر ذلك، مثلا، حين تتهدّم البيوت المفترَض أنها للحماية والإيواء، على رؤوس ساكنيها، في إشارة إلى العامل السياسي العدواني، بتعطيل الاحتلال الترميمَ وإعادة البناء، واستخدام ذلك، وهذا معهود، منذ حروب سابقة، عانى منها أهل القطاع المحاصر.
برغم الحديث عن قرب الانتقال إلى المرحلة الثانية وتسليم قطاع غزّة إلى إدارة جديدة، فإن التباطؤ والتسويف والعرقلة تبقى السمة المتوقَّعة، برغم بروز احتياجاتٍ إنسانيةٍ ملحّة، وهي مسألة حياة أو موت، كالطعام والدواء، والعلاج (مع الحديث عن انتشار مرض فيروسي خطير)، والوقاية، وراهنا، متطلبات الشتاء. مع أن المتعارف عليه، وفي أزمات أقلّ وطأةً مما عاناه ويعانيه القطاع، الترفُّعُ عن العوامل السياسية من أجل مواكبة إيقاع الكارثة أو التنادي والتضافر للتخفيف منها.
هذه التسوية بين إعادة الإعمار وإنعاش الحياة، بمرافقها الاقتصادية، وغيرها، وبين حاجات ماسَّة يترتَّب على تقويتها ضياعُ الأرواح، وتكريس المعاناة الجحيمية، تؤكِّد أن قادة الاحتلال لا يزالون يتقصَّدون التهجير، بإعدام أساسيات الحياة والبقاء، فبعدما قوَّضت الحرب الوحشية معنى الوطن، في غزّة، بكل ما يحمله من معاني الاستقرار والأمان، راحت تتعمَّق أكثر، لتطاول الوطن الصغير، وهو البيت، بما يشعِر به من معاني الاحتواء والاحتماء.
ومع أن قطاع غزة تراجع نسبيّاً عن صدارة الأنباء، مع محاولة إيهام بتوقُّف الحرب وإسدال الستار على مشهده المأساوي، إلا أن ما يبَثُّ من مشاهد خلال هذا الشتاء يستدعي التألم. ... تألُّم من اختلال كبير في قيم العالم والدول المؤثرة فيه، مع هذا الجموح في منطلقاته الغريزية البدائية لتصبح أكثر سفوراً، وأقل احتشاماً، كما بات يمسي ويصبح به سيِّد البيت الأبيض، والفاعلين في حزبه الحاكم، إذ لا ينفرد دونالد ترامب بهذا الجنوح والانتكاس، فنحن لا نسمع أصواتا تمثِّل تيَّاراً مقاوِماً لهذه القفزة المروِّعة في العلاقات الدولية، وهي تمضي بأميركا إلى صراعات وجودية، تُستثار لدى دولٍ كانت تعدُّ نفسها صديقة للولايات المتحدة وحليفة لها في حلف شمال الأطلسي (ناتو)؛ الأمر الذي استدعى ندماً كُسَعِيّاً، أنَّ تلك الدول الأوروبية الكبرى لم تستثمر السنين والوفرة في بناء قوة عسكرية كافية. أمام هذا الاستعار في الصراعات، يبقى التعويل على أن تفيق الشعوب، ولا سيما الشعب الأميركي، ما يفترَض أنها آثار الصدمة، وهو المعرَّض لدفع الأثمان، جرّاء هذه الانزياحات المتهوِّرة.
نقسو إن ادَّعينا انتفاءَ التضامن والشعور الجمعي في أمَّتنا وشعوبنا
ولهذا قد يقال: إذا كان هذا هو شكل العلاقات بين الأقوياء فما حيلتنا، نحن؟ في كل الأحوال، لا خيار أمامنا إلا العمل على تظهير مواقفنا، والاتحاد على قضايا عادلة، وفي ما يخصُّ غزة وظروفها الراهنة لا يتعذَّر مثل هذا الاتحاد في الخطاب والموقف. إذ مهما كان الموقف مما حدث، قبل الحرب على غزّة، يتناول الواجب كلَّ مستطيع، ولا يستساغ التجاهل، أو الانسياق إلى المواقف المغرِضة، والمصالح المجرَّدة الضيقة. وإذا كانت قطاعات غير هامشية في بلاد أوروبا وأميركا وغيرهما تلبِّي هذا الواجب الإنساني لإغاثة غزة، فلأنها لا تعاني بلادة، ولم تتربَّ على الانكفاء وغطِّ الرؤوس في الرمال، فعلى مسافة البُعْد، وعلى تبايُن المواقع، واستقرار أوضاع بلادهم، بالقياس إلى هشاشة أوضاعنا، يستحضرون الاتساق الأخلاقي وما يمليه عليهم. أما نحن، فنختصُّ بتضامن إجباري، إن لم يأت طوعيا؛ لأن مصيرنا أكثر تشابُكاً، وليس ما يعانيه إخوتنا في السودان بعيداً في جوهر الظلم عما يقع على الفلسطينيين في غزّة، وكذا ما عاناه إخواننا السوريون في مخيمات اللجوء، على مدار سنوات، بعيداً عما حل في غزّة. فإن لم يدفعنا الواجب بذاته، لا بد أن نستشعر التهديد الشخصي، في ظل قواعد تتصالح مع خذلان الملهوف، وتتعايش مع مرأى الكارثة، وهي تمضي في وقائع حياتها، وكأن هؤلاء المتجاهلين أصحاب امتياز حصين محصَّن من أيِّ اختلال، ومن أيِّ انقلاب، لا ينفكُّ عالم اليوم يعِد به، أو يتوعَّد. والصحيح أننا نقسو إن ادَّعينا انتفاءَ التضامن والشعور الجمعي في أمَّتنا وشعوبنا، لكنه تضامن وجداني، وليس الكل يفعله، وهو لا يجد تمثيلاً له في الواقع الخارجي، بعدما استُدرِج عبْر سنتي الحرب إلى ما يشبه الاستنزاف.
وفي كل الأحوال، ليس الفعل كعدمه، فيلزم الأحزاب والنقابات وسائر الفعاليات السياسية والاجتماعية أن ترقّي فعاليتها، وأن تتوفَّر على آلياتٍ تُظهِر التمييز بين العمل الطويل والبعيد المدى وما تتطلبه الإغاثة من استنفار سريع، ضاغط، ومِن تعبئة، في الرأي العام، بحملات إعلامية، وفي مشاركة ميدانية. وعلى أن ما يعانيه الناس في القطاع، في هذا الشتاء، ليس عابراً، إذا فهمناه مفردةً من مفردات التعذيب والاقتلاع، والتسليم به، أو السماح بحدوثه، غالباً، ينسحب على مثيلاته، من أوضاع تفرِّغ الحياة من مقوِّماتها.

أخبار ذات صلة.
"قسد"... سيرة أداة
العربي الجديد
منذ 48 دقيقة