الدخول الأدبي الشتوي في فرنسا.. بعيداً عن الحملات التسويقية
عربي
منذ أسبوع
مشاركة
بعد صخب الدخول الأدبي في الخريف، الذي يتّسم بالمنافسة المحمومة على الجوائز الكبرى والزخم الإعلامي المكثف في فرنسا، يأتي الدخول الشتوي الممتد من يناير/ كانون الثاني إلى مارس/ آذار ليقترح زمناً مختلفاً: زمن القراءة المتأنّية، والاهتمام طويل الأمد، واكتشاف الأصوات بعيداً عن ضغط الحملات التسويقية. من محطة ثانوية إلى موسم قائم بذاته لطالما اعتُبر الموسم الأدبي الشتوي مجرّد ملحق خافت لموسم الخريف. غير أنّ هذا التصنيف لم يعد صالحاً اليوم. والأرقام وحدها تكشف حجم التحوّل: ففي عام 2026، بلغ عدد الإصدارات الشتوية 508 عناوين، موزعة بين 363 رواية فرنسية، و65 عملاً لأقلام شابة جديدة، و141 رواية مترجمة، إضافة إلى عشرات العناوين في المقالات والدراسات. وهي أرقام تفوق، في بعض الأعوام، عدد الإصدارات الخريفية نفسها. يشير هذا النمو المستمر إلى تحوّل استراتيجي في سياسات النشر، حيث بات الناشرون يرون في الدخول الشتوي فرصة حقيقية لتقديم أعمال أقلّ خضوعاً لمنطق الاستهلاك السريع، وأكثر قدرة على بناء علاقة طويلة مع القرّاء. ويكشف وجود عدد كبير من الأعمال الأولى عن استمرار الاستثمار في الأصوات الجديدة، لا بوصفها مغامرة، بل جزءاً من بنية الموسم نفسه. يتخفف الموسم من هيمنة الرواية ويتيح حيّزاً لبقية الأجناس الأدبية ولكنّ صدور ما يقترب من ألف رواية بين شهري أغسطس/ آب 2025 ومارس/ آذار 2026، إضافة إلى الإصدارات في الأجناس والمجالات الأخرى، والحقول يدفع كثيرين إلى التحذير من تضخّم الإنتاج الأدبي في فرنسا والدعوة إلى ترشيده. ووسط هذه الوفرة التي تضع القارئ في متاهة الاختيار تنشط الصحف والمجلات والمكتبات والمواقع الإلكترونية الثقافية في تقديم اقتراحاتها وتوصياتها والترويج للأعمال: التي لا ينبغي أن تفوّت. أسماء معروفة يشهد الموسم الشتوي لهذا العام حضوراً قوياً لكتّاب راسخين، يختارون هذا الموسم تحديداً لإصدار أعمالهم بعيداً عن ضغوط المنافسة الرمزية. ويأتي في صدارتهم الكاتب بيير لوميتر (جائزة غونكور 2013)، صاحب الأعمال التي تجمع بين النجاح الجماهيريّ والجودة الأدبية، والذي يختتم رباعيّته "السنوات المجيدة" برواية "الوعود الجميلة". وكذلك ميليسا دا كوستا، التي تحقق أعمالها رواجاً كبيراً برواية "وحوش"، التي تتبع رحلة يافع في السابعة عشرة من العمر، يهرب من عنف أبيه، ويلتحق بالعمل في سيرك حيوانات؛ رحلة لا يقل فيها عنف البشر ضراوة عن عنف الوحوش. أمّا بنجامان ديرستان، فيتناول في روايته "الرابع عشر من تموز" جريمة ضخمة تدور أحداثها في عهد ميتران وتعكس واقع فرنسا المعاصرة، مع صعود الخطاب اليميني المتطرف، وموجة الإسلاموفوبيا، بما يمنحها صدى سياسياً مباشراً.  وتحضر أسماء أخرى بارزة مثل ليلى سليماني بروايتها "سأحمل النار معي"، وفريدريك بيجيبيديه في "رجل وحيد"، وفيليب بيسون في "نزل في إيطاليا". ويتميّز هذا الموسم أيضاً بحضور قوي للحياة الريفية وقضايا البيئة، يتخيل غاسبار كونيغ في "آكوا" أزمة مياه في قرية نورماندية، حيث يحوّل الجفاف أصغر قطرة ماء إلى قضية سياسية وأخلاقية، وذريعة مثالية للصراعات العائلية، بينما تواصل ماري هيلين لافون في "خارج الحقول" استكشاف واقع الحياة الريفية والعنف الصامت الذي يسود العلاقات الاجتماعية فيها.  أدب مترجم على صعيد الأدب المترجم، تبرز رواية موراكامي الجديدة "المدينة ذات الأسوار المريبة"، ورواية البريطاني الهنغاري دافيد سالاي "لحم"، التي توجت بجائزة البوكر 2025. وتحضر على نحو لافت أعمال لكاتبات من أميركا اللاتينية، فتمزج المكسيكية غابرييلا داميان ميرافيت، في مجموعتها القصصية "سيحلُمنَ في الحديقة" بين الخيال العلمي والنسوية، في عالم يسعى فيه الموتى لمساعدة الأحياء، وتتآمر فيه النساء لصنع رقى سحرية تمنحهن الحرية، وتقدّم الإكوادورية مونيكا أوخيدا في روايتها: أفكاك" رواية رعب تستنطق علاقات القوة بين الأمهات والبنات وبين المعلّمات والتلميذات. أما الكاتب الكوبي ليوناردو بادورا، فيحتفي في "الذهاب إلى هافان" بالمدينة المثقلة بتاريخها وحكاياتها، والمعلّقة دائماً بين الانهيار والصمود. الخروج من هيمنة الرواية ولعل أحد أبرز ملامح هذا الدخول الشتوي تخفّفه من هيمنة الرواية وإتاحة حيّز كاف للأجناس الأدبية الأخرى. فالكاتب الحائز جائزة نوبل في الأدب لو كليزيو يجمع في كتابه الجديد "ثلاث مكسيكات" بين المقال والسرد والتاريخ الأدبي، حيث يتناول ثلاث شخصيات بارزة في الأدب والتاريخ المكسيكيين: الشاعرة سور خوانا إينيس دي لا كروز (1651-1695)؛ وخوان رولفو (1917-1986)، والمؤرّخ لويس غونزاليس إي غونزاليس ( 1925-2003). أمّا الناقد وعضو الأكاديمية الفرنسية أنطوان كومبانيون، فيرجع في كتابه "1996، عام عجيب"، إلى ذلك العام بوصفه عتبة بين عصرين، عبر مقاربة تتناول الفكر والأدب والسينما والسياسة، وتقدّم صورةً باهرة لحقبة ثقافية غنية شهدت صعود البنيوية ولمعت فيها أسماء مثل كلود ليفي-شتراوس وميشيل فوكو ورولان بارت. ثمّة حضورٌ لأعمال تاريخية ونقدية تتناول قضايا الاستعمار، يبرز من بينها كتاب المؤرّخة كوليت زيتنيكي "قضية بوجو: عنف الغزو الاستعماري في الجزائر"، حول الفظائع الفرنسية خلال غزو الجزائر في القرن التاسع عشر.

أخبار ذات صلة.

( نوافذ يمنية) محرك بحث إخباري لا يتحمل أي مسؤولية قانونية عن المواد المنشورة فيه لأنها لا تعبر عن رأي الموقع..

جميع الحقوق محفوظة 2026 © نوافذ يمنية