عربي
أعلنت الحكومة الفرنسية، في وقت متأخر أمس الخميس، أنه "من المستحيل اعتماد ميزانية عن طريق التصويت"، وأغلقت الباب مؤقتاً أمام نقاشات قانون الميزانية لعام 2026، بعد إلغائها جلسات اليوم الجمعة والاثنين، وأعادت الملف إلى البرلمان يوم الثلاثاء لدراسة خيارين بديلين لتمرير الميزانية، بعد مسار برلماني متوتر اتسم بحضور باهت وتجاذبات حادة بين الكتل، جعلت تمرير النص بالتصويت أقرب إلى المستحيل.
قرار إلغاء المناقشات لا يبدو مجرد تعديل في الرزنامة، بل اعتراف سياسي بأن الحكومة، المحرومة من أغلبية مستقرة، فقدت زمام المبادرة داخل قاعة يفترض أنها تصنع التوافقات. وزاد من تعقيد مهمتها تدشين عام 2026 من دون ميزانية مُعتمدة، ما دفعها للجوء إلى قانون مؤقت يضمن استمرارية الجباية والإنفاق الأساسي إلى حين إقرار قانون المالية النهائي، من دون أن يحل محله.
تبادل الاتهامات
داخل البرلمان، قالت الحكومة عبر وزير العلاقات مع البرلمان لوران بانيفوس، في نهاية جلسة داخل الجمعية الوطنية أمس الخميس وُصفت بضعف الحضور وبأنها جاءت عقب نقاشات متقطعة ومتسرعة: "إننا نبتعد بشكل قاطع عن نص توافقي مقبول لدى أغلبية النواب". وهي الجملة التي اختصرت شعور السلطة التنفيذية بأنها تُستنزف داخل متاهة التعديلات، وأن النص يفلت منها بنداً بعد بند. لكن المعارضة ردت بأن المشكلة ليست تقنية بل سياسية. وحمل رئيس لجنة المالية عن حزب فرنسا الأبية إريك كوكيريل الحكومة المسؤولية قائلا": "الحكومة هي المسؤولة وحدها عن محاولتها فرض نص الأقلية، لكنها مع ذلك تلقي بالمسؤولية على البرلمان".
نقاط التفجير
من أبرز القنابل التي فجّرت النقاش خفض المنحة التشغيلية الإجمالية للسلطات المحلية بنحو 4.9 مليارات يورو، وهو تعديل دُفع به من طرف التجمع الوطني (اليمين المتطرف) وأثار قلق الحكومة لما له من تبعات على ميزانيات البلديات والجهات. ثم جاءت نكسة أخرى حين فشلت الحكومة في تمرير تعديلها لفرض ضريبة إضافية على أرباح الشركات الكبرى، كانت تراهن عليه لتأمين 6.3 مليارات يورو وتليين التفاوض مع الاشتراكيين، غير أن التعديل رُفض حتى من داخل المعسكر الحاكم، ما عمّق صورة الانقسام وفقدان الانضباط البرلماني.
وفي المقابل، يُلوَّح برقم العجز سلاحاً للضغط، إذ أشارت تقارير إلى أن العجز العام في هذه المرحلة يدور حول 5.3% من الناتج المحلي الإجمالي مقابل هدف حكومي عند 5%، وهو ما تستخدمه السلطة التنفيذية للدفع نحو حل سريع قبل أن يتحول التأخير إلى عبء سياسي واقتصادي.
رهان على المخرج قبل الثلاثاء
ووفقاً لوسائل الإعلام الفرنسية، فإن رئيس الحكومة سيباستيان ليكورنو يستعد لإلقاء كلمة من مقر الحكومة في وقت متأخر اليوم، لعرض العناصر الجوهرية لتسوية ميزانية 2026 ومحاولة تهيئة شروط عدم الحجب قبل العودة إلى البرلمان الثلاثاء. وهذا آخر مسعى لإنتاج منطقة وسط مع الاشتراكيين والمستقلين، قبل اللجوء إلى الأدوات الدستورية لفرض النص دون تصويت.
السيناريوهات المحتملة
وقد يجد ليكورنو نفسه مضطراً لتفعيل المادة 49.3 التي تسمح للحكومة بتمرير النص دون تصويت مباشر عبر ربطه بالثقة، لكنه يفتح تلقائياً باب اقتراحات حجب الثقة. ففي ملف الميزانية تحديداً، تتحدث تحليلات عن احتمال تكرار العملية أكثر من مرة (على الإيرادات، ثم الإنفاق، ثم النص النهائي بعد مسار مجلس الشيوخ)، ما يعني فرصاً متعددة لإسقاط الحكومة. لكن ليكورنو سيجد نفسه أيضاً في ورطة سياسية لأنه وعد الاشتراكيين سابقاً بتجنب المادة 49.3، والعودة إليها ستُقرأ نكثاً لتعهد علني، حتى لو كانت الضرورة البرلمانية هي الدافع.
السيناريو الثاني هو اللجوء للمادة 47 من الدستور التي تجيز للحكومة تنفيذ الميزانية إذا لم يصوّت عليها البرلمان خلال 70 يوماً. وبالتالي، حتى لو سقطت الحكومة، تبقى الميزانية سارية. وفي هذه الحالة، يُطبّق النص الأصلي. بعبارة أخرى، العودة إلى ميزانية رئيس الحكومة السابق فرانسوا بايرو دون تعديلات برلمانية أو تنازلات سياسية.
هذا السيناريو الذي نوقش بكثرة في الأيام الأخيرة يُثير انقساماً حاداً في السلطة التنفيذية، فالرئيس إيمانويل ماكرون يؤيده، بينما يعارضه رئيس الحكومة. والمنطق المؤسسي راسخ. في الجمهورية الخامسة، يشير إلى أن القرار النهائي بيد رئيس الدولة، وهو في الواقع من يوقع المراسيمن لكن تبقى مشكلة واحدة: لم يُستخدم هذا الإجراء قط في إعداد ميزانية. وقد أكدت الأمانة العامة للحكومة هذه النقطة في مذكرة عام 2024 "إن شكل هذه المراسيم وإطارها القانوني غير واضحين".
قد يجد ليكورنو نفسه مضطرا لتفعيل المادة 49.3 التي تسمح للحكومة بتمرير النص دون تصويت مباشر، عبر ربطه بالثقة، لكنه يفتح تلقائيا باب اقتراحات حجب الثقة
صورة بلد مشلول
وأشارت تقارير إعلامية إلى حديث عن تباينات داخل السلطة التنفيذية بشأن الأفضل، هل المادة 49.3 بما تحمله من خطر الحجب، أم مراسيم المادة 47 بما تحمله من جدل مؤسسي. وفي ظل هذا المناخ، وصفت مجلة إيكونوميست الفرنسية الدولة بالمشلولة، معتبرة أن العجز عن إقرار ميزانية 2026 أصبح رمزاً لأزمة سياسية أعمق، ما يضع الحكومة أمام اختبار حاسم، إما انتزاع توافق الحد الأدنى داخل جمعية متشظية، أو اختيار طريق دستوري يمرر الميزانية ويُشعل في المقابل معركة شرعية قد تهز الحكومة وربما ما بعدها.

أخبار ذات صلة.
"قسد"... سيرة أداة
العربي الجديد
منذ 32 دقيقة