مسرحية Windows F... دولة تُحكم بالكهرباء
عربي
منذ أسبوع
مشاركة
تُشيّد المسرحية المغربية "Windows F"، لمخرجها أمين الساهل، المُشاركة في مهرجان المسرح العربي الذي اخُتتم أمس الجمعة، فضاءً درامياً مشحوناً بالقهر الرمزي، حيث تتحكم سلطة غير مرئية في حياة النساء، تُدار بالكهرباء وتمارس باسم النظام، ليصبح "الضو"/ الكهرباء شرطاً لكل شيء: الطعام، الكلام، وحتى الحق في الوجود. داخل هذا السجن الرمزي، تتحرّك نساء محاصرات بمنظومةٍ تقنية واجتماعية موحدة، تُخضع الجسد وتفرغ المعنى، وتدفع الإنسان إلى حافة الصمت القسري، حيث يُختزل الرأي في مخالفة، ويعاد تأويل الاختلاف كخطر يستوجب العقاب. تتشكل شخصيات مسرحية "Windows F"، التي عُرضت ضمن سباق الدورة 16 لمهرجان المسرح العربي الجاري في القاهرة، كمسارات إنسانية متكسّرة، لكل واحدة جرحها الخاص، وذاكرتها شهادة على واقعها. تحضر هاجر، التي أدّت دورها قدس جندل، بشخصية تمارس الملاكمة بتفوّق، ممثلةً بلدها دولياً، إلى أن يُطلب منها التراجع لمصلحة أخرى تحتمي بالنفوذ الاجتماعي. رفضت هاجر المساومة، فدُفعت خارج الحلبة وخارج حلمها، لتبحث عن كرامةٍ في الهجرة السرية، حيث وُضعت في إطار اتهامي بالاتجار في المخدرات، وحُكم عليها بستة "جيغا"، في مجاز يحوّل العقوبة إلى بيانات، ويعيد صياغة العدالة وفق لغة الآلة.  تتخذ المأساة بعداً نفسياً واجتماعياً أعمق مع الشابة التي تجسدها سناء باسكيط، المدانة بسرقة طفلٍ رضيع. فور دخولها السجن، تُجبر على ارتداء زي لاعبة كرة سلة، وتحمل الكرة بين يديها طوال الوقت، في صورةٍ كثيفة الدلالة لامرأة أمضت حياتها تحلم بالأمومة لتملأ فراغاً فرضه المجتمع، وخذلان زوج تزوج بأخرى. الحقيقة التي تكشف لاحقاً داخل السجن أن العقم لم يكن منها وإنما منه، تضيف بعداً مؤلماً لتاريخها وتفسّر فعل السرقة بوصفه نتاج حرمان طويلٍ من الحنان وضغط اجتماعي يستثقل المرأة ويحمّلها وحدها عبء الفشل. تبلغ المسرحية ذروتها الإنسانية مع شخصية سعيدة "الملحة" (من الملح) وتجسّدها رجاء بوحامي بأداء بالغ الكثافة. عبر استرجاعاتٍ موجعة، تكشف حياة زوجية قائمة على الإلغاء اليومي؛ زوج يرى فيها مجرد جسم يوفر الطعام والجنس، ويقابل التعب أو الامتناع بالعنف المتكرر، وأم تدفعها نحو الطاعة وتستمر في المطالبة بالمال حتى وهي في السجن. تمرد سعيدة يبدأ بالكلمة دفاعاً عن حقها في الوجود، ويبلغ لحظة الانفجار حين تصب الزيت الحارق على وجه زوجها وتقتله. الحكم عليها بالسجن 25 سنة مع تشويه الجثة يكشف المفارقة القاسية، كيف يعاد تعريف الجريمة حين يغيب الاعتراف بالعنف الممارس عليها. ويحضر الفنان أمين بلمعزة داخل العرض بوصفه جسد السلطة المتحوّل، فهو يجسد الروبوت "ضوضو" (من الضوء) المتحكم في مصير السجينات، الذي يتقمص أيضاً أدواراً بشرية تتقاطع جميعها عند منطق السيطرة: زوج سعيدة العنيف، ورجل السلطة الذي يساوم هاجر الملاكمة. هذا التعدد يمنح السلطة بعداً رمزياً مضاعفاً، إذ تتبدى كياناً واحداً بأقنعة متعددة، سواء كانت آلة، زوجاً، أو مسؤولاً يفرض القهر بلا هوادة. داخل السجن، تتكشف اللحظات الإنسانية عبر زيارات خارجية تتحول إلى محاكمات أخلاقية. يزور زوج سناء زنزانتها معتذراً، كاشفاً عبء الكذب، فيما تزورها أم سعيدة بلا تعاطف، لا يشغلها إلا المال، وهاجر تواجه مسؤولاً يطلب توقيعها على انسحابها من تمثيل البلاد. تواجه النساء الثلاث الزوار بالرفض ويطلبن المغادرة، لتصبح الزيارة فعل وعيٍ واستعادةٍ للكرامة. مسارات إنسانية متكسّرة، لكل امرأة جرحها الخاص وذاكرتها شهادة تعمّق السينوغرافيا التي أنجزها آدم صابر البناء الرمزي، إذ يتحول الفضاء إلى منظومة مراقبةٍ مستمرة، وتغدو الشاشات جدراناً تحاصر الحركة والوعي. كل سجينة ترتدي لباساً رياضياً مختلفاً، يعكس هويتها الفردية ضمن نظامٍ موحدٍ. الجسد يصبح لغةً تنطق بالمعاناة، والصوت امتداداً للذاكرة، والحركة فعل مقاومة صامتة. بهذا العمل يقدم المخرج أحمد أمين ساهل، في تجربته الرابعة، عرضاً يندرج ضمن ما يسميه "مسرح الهامش"، مساحة للبوح بما يدفع إلى الظل. على الخشبة تتقاطع رؤيته الإخراجية مع تراكمه الفني في الشعر، الراب، الهيب هوب والدي جي، ليصوغ لغةً مسرحيةً مشبعةً بالإيقاع والجسد والصورة، حيث "أستثمر العناصر بوصفها أدوات للتفكير والاحتجاج"، بحسب تصريح المخرج لـ"العربي الجديد" الذي يلفت إلى أن "الممثل روح حيّة تحمل تجربتها ورؤيتها، وأن العرض يبنى من حوارٍ جماعيٍ". تُسقط المسرحية معناها الأخير على شاشة تتوسّط ثلاث شاشات تمثل الجدران، حيث تكتب العبارة: "عِش بروحك لا بجسدك، لأن الجسد يُصعق أمّا الروح فلا تُهزم".

أخبار ذات صلة.

( نوافذ يمنية) محرك بحث إخباري لا يتحمل أي مسؤولية قانونية عن المواد المنشورة فيه لأنها لا تعبر عن رأي الموقع..

جميع الحقوق محفوظة 2026 © نوافذ يمنية