معيلات مصريات... مجبرات على العمل لتوفير نفقات الأسرة
عربي
منذ أسبوع
مشاركة
بين انعدام الرغبة في الطلاق، وغياب الدعم الرسمي، وضغوط العمل المتواصل، تجد مئات آلاف الزوجات في مصر أنفسهن مضطرات لتحمل عبء إعالة أسرهن من دون اعتراف اجتماعي، أو حماية حقيقية تغادر المصرية روضة عبد الفتاح (35 سنة) عملها الحكومي في مصلحة الشهر العقاري في الساعة الثانية ظهراً، متوجهة إلى شقة متواضعة في أحد أحياء العاصمة القاهرة، والتي تصل إليها بعد نحو الساعة كي تستريح لنحو ساعة أخرى، قبل أن تتوجه إلى عملها الثاني في محل قريب لبيع مواد العطارة. ويجبرها على هذا العمل شبه المتواصل مسؤولية إعالة أسرتها المكونة من ثلاثة أطفال، والتي أصبحت عبئاً على كتفيها منذ أكثر من خمس سنوات، بعدما أصبح زوجها عاطلاً إثر إغلاق الشركة الخاصة التي كان يعمل بها، لتتوقف منذ ذلك الوقت مشاركته في الإنفاق، أو إدارة شؤون المنزل، ورغم تمتعه بصحة جيدة تمكنه من مواصلة العمل، إلا أنه يفضل البقاء عاطلاً معتمداً على إنفاق زوجته على الأسرة.  تقضي الزوجة المصرية يومها كله تقريباً بين عملين مرهقين، لكنها تظل أيضاً مسؤولة عن تدبير شؤون البيت اليومية، من شراء الاحتياجات إلى سداد المصروفات، ورعاية الأبناء. ورغم تفكيرها المتكرر في الطلاق من زوجها لكونه لا يقدم لها أي شيء فعلياً، إلا أنها تتراجع دوماً نتيجة غياب الدعم العائلي، وعدم امتلاكها مسكناً بديلاً، وكذا عدم القدرة على تحمّل كلفة إيجار مسكن مستقل، ما يجعل خيار الانفصال غاية في الصعوبة رغم كل الضغوط اليومية. في حي آخر من أحياء العاصمة، تعيش المصرية دعاء عناني قصة مختلفة في التفاصيل، لكنها متشابهة في الجوهر، فهي أم لولدين وفتاة، وكانت تعمل في صالون تجميل قبل زواجها، وقد تعرّفت إلى زوجها عندما كان يمتلك "توك توك" يعمل عليه لتدبير النفقات، وقد استمر الزوج في العمل لفترة طويلة بعد الزواج، قبل أن يتوقف تدريجياً عن العمل نتيجة إدمانه تعاطي المواد المخدرة، ليقرر لاحقاً بيع التوك توك، ثم تتراكم عليه الديون، وتصبح مسؤولية إعالة الأسرة معتمدة بالكامل على عمل الزوجة. لم تجد دعاء حلاً لتوفير النفقات سوى العودة إلى العمل، وباتت تقدم خدمات التجميل الشخصية عبر التنقل بين منازل الزبائن، وهو عمل جيد لكن دخله غير ثابت، رغم أنه يظل المصدر الوحيد لتغطية المصروفات الأساسية، وكلفة تعليم الأطفال الثلاثة، ومع تفاقم الضغوط والديون، لجأت إلى مؤسسات التمويل للحصول على قروض صغيرة تسدد بها الالتزامات. رغم كل ذلك، فإنها ترفض الذهاب إلى الطلاق، معتبرة أن استقرار الأبناء النفسي أولوية مقدمة على معاناتها الشخصية. بدورها، وجدت مدرسة مادة الرياضيات والأم لثلاث بنات، منار عفيفي، نفسها معيلة للأسرة في سياق مختلف. كان زوجها يعمل في وظيفة حكومية، لكنه ترك العمل بعد عامين بحثاً عن دخل أفضل من خلال مشروع خاص، وقبل أن يرى المشروع النور، تعرّض لحادث سير أدى إلى إصابته في الساقين والذراع، وفقد إثره الأموال التي كان يعتزم استثمارها، ومنذ ذلك الحين لم يعد قادراً على العمل. تتحمّل منار مسؤولية الإنفاق بالكامل، إلى جانب إدارة شؤون المنزل اليومية، في المقابل، يقوم زوجها برعاية البنات ومتابعتهن دراسياً من داخل المنزل. ورغم ثقل الأعباء، تؤكد أن استقرار الأسرة يمثل عنصر أمان مهما بالنسبة لها، وأن امتلاكهم الشقة خفف كثيراً من الضغوط المالية، مقارنة بأسر أخرى تضطر إلى تحمّل كلفة الإيجار الشهري. وفي مطلع عام 2025، كشف الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء (حكومي) أن عدد الأسر المصرية التي تعولها نساء يبلغ نحو 5.9 ملايين أسرة، ما يمثل 22.3% من إجمالي الأسر في البلاد. ووفقاً لبيانات يناير/كانون الثاني 2025، وصل عدد الأسر في مصر إلى 26.5 مليون أسرة، من بينها 14.7 مليون أسرة في الريف بنسبة 55.6%، مقابل 11.8 مليون أسرة في الحضر بنسبة 44.4%، في مؤشر لافت على التحولات الاجتماعية والاقتصادية داخل المجتمع المصري. تعيش المدرسة صفاء سيد أحمد، وهي أم لثلاثة أطفال، حالة مختلفة، إذ لم يتوقف الزوج عن العمل، لكنه قرر عدم تحمل مسؤولية الأسرة، وما يوفره من مال لا يكفي لتغطية احتياجات الأسرة، وغالباً لا يصل حتى إلى قيمة الإيجار. ومع تزايد متطلبات الأبناء، اشترت صفاء ماكينة خياطة، وتعلمت العمل عليها لتوفير دخل إضافي يساعدها على إدارة المصروفات. وتقول إن استمرارها في الزواج لا يعود إلى الرغبة، بل إلى الخوف، فزوجها يهددها كلما تفكر في الطلاق، وسبق أن استعان بشقيقاته للاعتداء عليها، بينما لا تملك شبكة دعم عائلية قوية؛ فوالدها وأخوها يفضلان عدم الدخول في مشكلات. وبينما منحها حصولها على شقة تابعة لوزارة الإسكان باسمها قدراً من الاستقرار، إلا أن شعورها بالخوف لم يتبدد، إذ تؤكد أن زوجها قادر على إيذائها في أي وقت، ما يجعلها مجبرة على البقاء في وضع لا تشعر فيه بالأمان. على وسائل التواصل الاجتماعي، عرضت سيدة من إحدى مدن دلتا النيل، التنازل عن بناتها الصغار الثلاث، بعدما ترك زوجها المنزل هرباً من أعباء الأسرة، ورغم تدخل وزارة التضامن الاجتماعي عبر صرف مبالغ مالية لإعانتها، ما زالت تداعيات الحدث الذي جرى قبل نحو شهر، موجعة وصادمة. تعكس هذه القصص واقعاً قائماً في المجتمع المصري، حيث لم تعد إعالة النساء للأسر مرتبطة بغياب الزوج أو وفاته، بل أصبحت تشمل زوجات يُعلن أسرهن في ظل وجود الأزواج، سواء بسبب البطالة، أو المرض، أو الإدمان، أو حتى التخلّي عن المسؤولية.  وحول الرأي القانوني في الإنفاق على العائلة، يقول المحامي مصطفى علوان، إن "القانون المصري يكفل للزوجة حقوقاً واضحة تشمل النفقة بأنواعها، والسكن الملائم، وحق الحضانة، مع وجود آليات لتنفيذ هذه الحقوق عبر القضاء، إضافة إلى معاقبة الزوج عند الامتناع عن التنفيذ، والشريعة الإسلامية لم تربط نفقة الزوجة بكونها مُعيلة أو غير مُعيلة، بل أوجبت النفقة لها في كل الأحوال طالما أن العلاقة الزوجية قائمة، وأكدت مبدأ (لا طاعة بدون نفقة)، وعند انتهاء العلاقة الزوجية، ترتب الشريعة والقانون حقوقاً مادية للمرأة".  ويوضح علوان لـ"العربي الجديد"، إلى أن "دور المؤسسات المجتمعية يجب أن يسبق الوصول إلى النزاع القانوني، في محاولة الحفاظ على الأسرة ومنع تفككها، لأن انهيار الأسرة يترك آثاراً اجتماعية ونفسية واسعة، على المرأة وعلى الأبناء، رغم أن القانون يركز أساساً على حماية حقوق المرأة". وفي التفسير المجتمعي لظاهرة عمل المرأة في أكثر من وظيفة، يرى أستاذ علم النفس التربوي بجامعة القاهرة، عاصم حجازي، أن هناك عوامل متعددة؛ من بينها الضغوط المعيشية، وارتفاع النفقات، وتواضع الأجور، أو السعي لاكتساب مكانة اجتماعية، أو ضمان مستقبلها في حال حدوث انفصال، إضافة إلى رغبة بعض النساء في تحسين مستوى المعيشة وتأمين مستقبل الأبناء، خاصة إذا كان الزوج متكاسلاً عن العمل، أو مسرفاً في الإنفاق.  ويؤكد حجازي لـ"العربي الجديد"، أن "قدرة المرأة المادية على الاستقلال لا تعني بالضرورة سعيها إليه، إذ قد تعيقها عوامل مثل التعلق بالزوج رغم عيوبه، أو رغبتها في وجود رجل يمثل سنداً في حياتها بسبب نظرة المجتمع للمطلقة، وهو ما تعكسه بوضوح عدد من الأمثال الشعبية الشائعة، وأشهرها (ظل رجل ولا ظل حيطة)، أو كونها تشعر بمسؤولية كبيرة تجاه الأسرة، ما يدفعها إلى تقديم تنازلات حفاظاً على استقرار الأبناء. وقد يكون الدافع الأمل في تحسن الظروف مستقبلاً، أو الخوف من تحمل مسؤولية الاستقلال الكامل". وفيما يتعلق بالحلول؛ يوضح حجازي أن "معالجة هذه الظاهرة مسؤولية مشتركة بين عدة جهات، من بينها المؤسسة الدينية، ووزارة التضامن الاجتماعي، والمجلس القومي للمرأة، ومختلف المؤسسات الثقافية والتربوية والإعلامية، وتتضمن الحلول المقترحة تعزيز الوعي بالحقوق والواجبات بين الزوجين، وتطوير التشريعات التي تضمن الحقوق المادية للزوجة العاملة، وتقديم برامج إرشاد للأزواج، إضافة إلى توفير الدعم والرعاية اللازمة للزوجة المعيلة".

أخبار ذات صلة.

( نوافذ يمنية) محرك بحث إخباري لا يتحمل أي مسؤولية قانونية عن المواد المنشورة فيه لأنها لا تعبر عن رأي الموقع..

جميع الحقوق محفوظة 2026 © نوافذ يمنية