عربي
سجل الاقتصاد العراقي مع نهاية عام 2025 مؤشرات لافتة على صعيد الاستقرار النقدي، مع وصول معدلات التضخم إلى مستويات متدنية تُعد من الأدنى عربياً، في وقت تتجه فيه الحكومة إلى توظيف هذا الاستقرار لمعالجة اختلالات اجتماعية واقتصادية مزمنة، وسط تحذيرات من مخاطر تحويل السياسات قصيرة الأجل إلى أعباء طويلة الأمد على الاقتصاد.
وفي السياق، أكد المستشار المالي لرئيس الوزراء العراقي، مظهر محمد صالح، اليوم الجمعة، أن العراق سجل معدل تضخم منخفضاً بلغ نحو 1.5% بنهاية عام 2025، فيما أشار إلى أن التضخم في العراق الأدنى عربياً. وقال صالح، لوكالة الأنباء العراقية (واع): إن "الاقتصاد العراقي يشهد مرحلة لافتة من الاستقرار النقدي، إذ سجل معدل تضخم منخفضاً بلغ نحو 1.5% بنهاية عام 2025، وفق تقديرات صندوق النقد الدولي، وهو من بين أدنى المعدلات في المنطقة العربية"، مبيناً أن "هذا الإنجاز يحسب للسياسة النقدية التي نجحت في الحفاظ على استقرار الأسعار وسعر الصرف، وحماية القوة الشرائية للدينار، ما عزز الثقة بالعملة الوطنية، ووفّر بيئة أكثر ملاءمة للاستثمار".
وأضاف أن "قرارات مجلس الوزراء الأخيرة تهدف إلى معالجة ما يُعرف بـ(التضخم بالوظائف) كخطوة لدعم الاستقرار الاجتماعي وتحسين مستويات الدخل"، مشيراً إلى أن "هذه الإجراءات تحقق مردودات إيجابية قصيرة الأجل من خلال تنشيط الطلب المحلي وتعزيز الثقة الاقتصادية، ولا سيما إذا ما جرى تمويلها ضمن حدود الاستدامة المالية، وعدم تجاوز الطاقة الاستيعابية للاقتصاد". وأوضح أن "التحدي الأكبر يبقى في تحويل هذا الاستقرار النقدي إلى نمو اقتصادي إنتاجي مستدام، إذ إن التوظيف الحكومي، إذا لم يرتبط بالإنتاجية، قد يخلق فجوة بين الإنفاق العام والناتج الحقيقي، ويزيد من هشاشة الاقتصاد أمام تقلبات أسعار النفط".
وتابع أن "الحل يكمن في ربط التوظيف ببرامج تدريب وتأهيل، وتمكين القطاع الخاص عبر إصلاحات تشريعية ومالية، فضلاً عن تنويع القاعدة الاقتصادية من خلال التركيز على التنمية الزراعية، والصناعة التحويلية، والطاقة المتجددة، وزيادة فرص الاقتصاد الرقمي". وأكد أن "العراق يمتلك اليوم فرصة نادرة مزدوجة تتمثل في انخفاض التضخم والاستقرار النقدي"، مستدركاً بالقول إن "هذه الفرصة يمكن أن تتحول إلى مكسب طويل الأجل إذا ما استُثمرت في بناء قاعدة إنتاجية متينة، بما يضمن ديمومة الاستقرار المالي والنقدي على المديين المتوسط والطويل، ويُخرج الاقتصاد من دائرة الاعتماد الريعي إلى مسار النمو المستدام".
وشهد العراق خلال السنوات الأخيرة ضغوطاً تضخّمية متباينة، تأثرت بعوامل داخلية وخارجية، أبرزها تقلبات أسعار النفط، واختناقات الاستيراد، واضطرابات سلاسل التوريد العالمية. إلا أن السياسة النقدية التي انتهجها البنك المركزي، ولا سيما في ما يتعلق بإدارة السيولة واستقرار سعر الصرف، أسهمت في كبح جماح التضخم والحفاظ على القوة الشرائية للدينار.
ويأتي انخفاض التضخم في وقت يعتمد فيه الاقتصاد العراقي بشكل كبير على الإنفاق العام الممول من الإيرادات النفطية، ما يجعل الاستقرار النقدي هشاً أمام أي صدمات سعرية في سوق الطاقة. وفي هذا السياق، تسعى الحكومة إلى استخدام التوظيف الحكومي كأداة لمعالجة البطالة وتحسين الدخل، وهو ما يثير نقاشاً اقتصادياً واسعاً حول ما يُعرف بـ"التضخم الوظيفي" وتأثيره المحتمل على كفاءة الإنفاق العام.
ويؤكد اقتصاديون أن تحويل الاستقرار النقدي إلى نمو اقتصادي مستدام يتطلب ربط التوسع الوظيفي بالإنتاجية، إلى جانب تفعيل دور القطاع الخاص، وتنويع القاعدة الاقتصادية بعيداً عن الريع النفطي، عبر الاستثمار في الزراعة والصناعة والطاقة المتجددة والاقتصاد الرقمي، بما يضمن استدامة الاستقرار المالي على المديين المتوسط والطويل.

أخبار ذات صلة.
"قسد"... سيرة أداة
العربي الجديد
منذ 35 دقيقة