من طهران إلى كمبالا... العزل الرقمي سلاحاً سياسياً
عربي
منذ أسبوع
مشاركة
في وقتٍ متزامن، حجبت إيران وأوغندا شبكة الإنترنت. لكلٍّ من الحكومتين أسبابها السياسية، لكن الغاية نفسها: خنق المجال العام عبر تعطيل الاتصال الرقمي. وعلى الرغم من اختلاف السياقات، فإن الحدثين يؤكدان أن قطع الشبكة بات أداة جاهزة تلجأ إليها الحكومات عند كل منعطف سياسي حرج. ففي إيران، قطعت السلطات شبكة الإنترنت منذ الخميس الماضي، في واحدة من أشد حالات التعتيم الرقمي منذ سنوات، وذلك وسط حملة قمع واسعة شهدت سقوط قتلى في عدة محافظات. ونظراً إلى سجل إيران في هذا المجال، يتعامل ناشطون مع الانقطاع الحالي بوصفه استمراراً لنهج ثابت يهدف إلى حجب الانتهاكات ومنع تداول المعلومات. فوفق تحقيق لمنظمة العفو الدولية (شبكة الإفلات من العقاب: عمليات القتل التي أخفاها قطع الإنترنت في إيران، 2020)، استخدمت السلطات الإيرانية قطع الإنترنت خلال احتجاجات نوفمبر/تشرين الثاني 2019 لإخفاء عمليات قتل واسعة تورطت فيها قوات الأمن. واستند التحقيق إلى أدلة رقمية وشهادات وتحقيقات ميدانية تؤكد مقتل ما لا يقل عن 323 شخصاً خلال خمسة أيام، بينهم نساء وأطفال، مع ترجيحات بأن الحصيلة الحقيقية أعلى بكثير. وبيّنت المنظمة أن الانقطاع شبه الكامل للاتصالات أعاق وصول المعلومات إلى الخارج وقيّد عمل الصحافيين والحقوقيين، ما سهّل تنفيذ عمليات القتل بعيداً عن الرقابة العامة. وخلصت إلى أن قطع الإنترنت وفّر "ستاراً رقمياً" مكّن السلطات من ممارسة العنف المفرط وإتلاف كمّ كبير من الأدلة، سواء بسبب الخوف من الملاحقة أو نتيجة مصادرة الأجهزة أثناء الاعتقالات الواسعة. أما في أوغندا، فأمرت الحكومة بقطع خدمة الإنترنت قبل يومين من الانتخابات الرئاسية التي تُجرى اليوم، في خطوة تذكّر بما حدث في انتخابات 2021. ويأتي القرار في وقت يسعى فيه الرئيس يويري موسيفيني (81 عاماً) إلى تمديد حكمٍ مستمر منذ أربعة عقود. وكشفت رسالة رسمية موجّهة إلى مزوّدي الخدمة، أكد صحتها مسؤولان حكوميان لوكالة فرانس برس، أن القطع ذريعته مواجهة "المعلومات المضللة" و"التحريض على العنف". وامتنعت الحكومة عن إصدار بيان علني، فيما أشار المسؤولان إلى أن "لا أحد يريد تبنّي القرار" رسمياً، رغم التعهّدات السابقة بعدم اللجوء إليه. وعلى الرغم من توقع فوز موسيفيني بولاية جديدة بفضل سيطرته على أجهزة الدولة والمؤسسة الأمنية، تترافق الانتخابات مع تضييق كبير على منافسه البارز بوبي واين (43 عاماً)، واعتقال مئات من أنصار المعارضة خلال الأسابيع الماضية، فضلاً عن استمرار محاكمة المعارض كيزا بيسيغيي أمام محكمة عسكرية منذ اختطافه من كينيا عام 2024. وفي الحالة الأوغندية، يأتي القطع استباقياً بهدف تشكيل البيئة التي تجري فيها العملية الانتخابية؛ ففي انتخابات يناير/كانون الثاني 2021 فرضت السلطات قطعاً شبه كامل للإنترنت قبيل التصويت، ما أدى إلى شلّ الاتصال الرقمي، واعتُبر حينها أحد أكثر إجراءات التقييد حدّة في تاريخ البلاد الحديث. وأثّر ذلك الإجراء مباشرة في قدرة المواطنين على التواصل ونشر النتائج المبكرة وتوثيق التجاوزات. ولم تُستعد الخدمة إلا بعد خمسة أيام، أي بعد إعلان النتائج، فيما كان زعيم المعارضة بوبي واين قيد الإقامة الجبرية وعاجزاً عن نشر الأدلة التي قال إنه يمتلكها بشأن التزوير. يندرج هذان الحدثان في سياق أطول شكّل ملامح المشهد السياسي في بلدان الجنوب العالمي. قبل خمسة عشر عاماً، بدا قرار مصر بقطع الإنترنت خلال ثورة يناير 2011 إجراء استثنائياً نابعاً من ذعر سلطوي. آنذاك، كان الاعتقاد السائد أن قطع الاتصال على مستوى وطني إجراء بالغ الكلفة والتعقيد ولا يمكن تحمّله اقتصادياً أو إدارياً. لكن ما كان سابقةً صار لاحقاً جزءاً من "عدّة" الحكم المعاصرة. إذ حجبت الهند الإنترنت عشرات المرات سنوياً (116 مرة مثلاً عام 2023، وفقاً لمنظمة أكسس ناو)، خصوصاً في كشمير، مستندةً إلى قوانين فضفاضة بحجة "النظام العام". وقطعت إثيوبيا الشبكة مراراً خلال موجات الاضطراب والحروب الداخلية، خصوصاً في تيغراي. واستخدمت ميانمار قطع الإنترنت وسيلة للسيطرة على الاحتجاجات المؤيدة للديمقراطية وعلى التمرّدات العرقية. وفي الكاميرون وتشاد والسودان وجمهورية الكونغو الديمقراطية وزيمبابواي، صار قطع الإنترنت ممارسة متوقعة عند كل انتخابات أو أزمة. عدّة عوامل أسهمت في "تطبيع" هذا الإجراء، فتطور تقنيات التفتيش العميق للحزم (DPI) يتيح للحكومات التحكم المباشر بحركة البيانات، فيما تجعل قلة عدد مزوّدي الاتصالات تنفيذ الأوامر سهلاً. ونتيجة ذلك، يمكن للسلطات قطع الإنترنت سريعاً عبر تعليمات محدودة لمجموعة صغيرة من المشغّلين. بعض الدول، مثل إيران، أنشأت شبكات بديلة داخلية (شبكة إنترنت وطنية) تبقى فعّالة حتى مع فصل الإنترنت العالمي، ما يضمن استمرار عمل المؤسسات الرسمية. والنتيجة أن عمليات القطع الحديثة لم تعد إجراءات عشوائية تُغرق البلاد في عزلة شاملة، بل باتت أدوات مرنة وقابلة للضبط، تُنفّذ وفق ما تقتضيه اللحظة السياسية.  هذا الانتشار في عمليات قطع الإنترنت يعكس تحوّلاً أعمق في فهم الدول لطبيعة القوة في العصر الرقمي. فكلما ازداد اعتماد المجتمعات على الاتصال، ازدادت أهمية القدرة على حرمانها منه. وما يحدث في إيران وأوغندا ليس سوى جزء من عقيدة سلطوية آخذة في الاتساع، يصبح فيها "العزل الرقمي" أداة مباشرة لممارسة النفوذ.

أخبار ذات صلة.

( نوافذ يمنية) محرك بحث إخباري لا يتحمل أي مسؤولية قانونية عن المواد المنشورة فيه لأنها لا تعبر عن رأي الموقع..

جميع الحقوق محفوظة 2026 © نوافذ يمنية