"العربي الجديد" يلتقي سكان غرينلاند: أرضنا ليست للبيع
عربي
منذ أسبوع
مشاركة
لم يكن الجدل الذي فجّره اجتماع أمس في واشنطن بين ممثلين عن الإدارة الأميركية والدنمارك وغرينلاند مجرّد حدث دبلوماسي عابر عند سكان الجزيرة التي تتمتع بحكم ذاتي. ففي شوارع العاصمة نووك، وبين الميناء والمراكز التجارية والأحياء الطرفية، ساد شعور واضح بأن مستقبل غرينلاند ما زال يُناقَش في عواصم بعيدة، بينما يُختزل صوت أهلها في الهامش. باللغة المحلية للشعب الأصلي في غرينلاند لا تُسمّى الجزيرة غرينلاند، بل "قالاليتش نونات"، أي أرض الإنسان الإنويت. هذا الاسم يتردّد كثيراً في أحاديث الناس، ليس بوصفه توصيفاً لغوياً فقط، بل تعبيراً عن هوية وحق في الأرض باتا مهدّدين في نظر كثيرين. وفي الأيام الأخيرة، أثار الرئيس الأميركي دونالد ترامب مخاوف إضافية لدى السلطات في الدنمارك وغرينلاند، بإعلانه الأحد أنه سيستولي على الجزيرة القطبية الشاسعة "بطريقة ما". وقال رئيس حكومة غرينلاند ينس فريدريك نيلسن خلال زيارته كوبنهاغن الثلاثاء: "نواجه أزمة جيوسياسية، وإذا كان ينبغي لنا الاختيار بين الولايات المتحدة والدنمارك، فإننا نختار الدنمارك". منذ أول لقاء مع سائق سيارة الأجرة كارل بيتر، يمكن استشعار حجم الغضب المكبوت. يقول لـ"العربي الجديد": "أفكّر جدياً في تغيير اسمي ليصبح اسماً غرينلاندياً. هذا الجدل الذي يدور حول مستقبل غرينلاند لم يعد محتملاً. نشعر أن الآخرين يتحدثون عنا من دون أن يسألونا، وكأن مستقبلنا يمكن أن يُقرَّر في واشنطن أو كوبنهاغن". على غراره يرى كثر من الغرينلانديين أن اجتماع واشنطن الأخير، الذي تناول قضايا الأمن والدفاع في القطب الشمالي، أعاد تكريس الإشكالية الأساسية: غرينلاند حاضرة مساحةً استراتيجيةً وثروة طبيعية، لا شعباً صاحب قرار. الناشط السياسي الغرينلاندي جون إلديفي قال إن ما يزعجه في طرح الرئيس الأميركي أنه "لا يُظهر أي احترام لنا ولا للقوانين الدولية. يتحدث عن غرينلاند كأنها سلعة. يقول إنه يريدها لأسباب أمنية ودفاعية وبسبب الموارد، لكن الولايات المتحدة تستطيع أصلاً إقامة قواعد هنا (بموجب اتفاقية 1951 مع الدنمارك). هم من أغلقوا قواعدهم. أشعر بالغضب لأن النقاش يدور وكأن أرضنا قابلة للبيع أو الضم". وأضاف: "نحن شعب يحاول البقاء حيّاً بطريقةٍ ما. أما الاستقلال عن الدنمارك، فنحن في حاجة إلى وقت طويل. بعض الدول احتاجت إلى 200 عام لبناء نفسها، ونحن بدأنا فعلياً منذ نحو 70 عاماً فقط. نحتاج إلى تعليم الأجيال وبناء مداخيل حقيقية، والتعاون مع الآخرين، لكن ليس بطريقة ترامب". "لسنا بضاعة" في وسط نووك، قال يوليوس سنغرين الذي كان يفترش الأرض عارضاً للبيع أكياس الجمبري: "الغرينلانديون وحدهم يجب أن يقرروا مصيرهم. نرحب بالأميركيين أفراداً يعيشون بيننا ويساعدوننا، فنحن فقراء ونحتاج إلى فرص، لكن لا يحق لأحد أن يقرر مصيرنا. نحن أصحاب الأرض القدماء، أسلافنا وصلوا بقوارب تجديف بسيطة، ولدينا موارد طبيعية يمكن أن تجعلنا أغنياء إن استخرجناها بأنفسنا". وهو ما يتفق معه لوكي باكس بيدرسن، صاحب مطعم ومقهى في نووك، قائلاً: "الاستقلال هو الطريق الأفضل، لكننا نحتاج إلى وقت. لا يمكن بناء دولة فجأة. علينا أيضاً أن نعيد التفكير في استخراج الثروات، مثل اليورانيوم في جنوب غرينلاند. الناس رفضته خوفاً من الإشعاعات، لكن إن أردنا تحسين وضعنا الاقتصادي، يجب أن نناقش هذه الملفات بجرأة". الشارع.. رفض وغضب وخوف لم يكن من السهل إقناع الناس بالحديث أمام الكاميرا. بعضهم اعتذر لعدم إجادته الإنكليزية أو الدنماركية، وآخرون أبدوا امتعاضاً من التركيز الإعلامي عليهم. شاب سار مسرعاً نحو سيارته قال: "نحن لسنا بضاعة". أما الشابة إيزابيل فكانت أكثر حدّة في موقفها: "على ترامب أن ينقلع. يجب ألا يكون هنا ولا نريده هنا. هو يسيء استخدام سلطته، ويجب ألا يمتلك كل هذه القوة. لا أعتقد أنه يستخدمها من أجل وطنه، بل لإرضاء نفسه". وأضاف الشاب الذي كان برفقتها، مينينوه: "ما يريده ليس شراء غرينلاند، بل السيطرة على ثرواتنا"، لترد إيزابيل مجدداً: "هو لا يفكر فينا شعباً، بل يفكر في نفسه فقط". "غرينلاند هي غرينلاند" مراهقون في الشارع أكدوا رفضهم لأي مقايضة بالمال، قائلين: "غرينلاند هي غرينلاند. لا نهتم بأموال ترامب. ما يهمنا هو أرضنا"، معبرين بكلمات قاسية عن رفضهم لتصريحات الرئيس الأميركي. رجل رفض الإفصاح عن اسمه قال بصراحة: "بالطبع لن نبيع غرينلاند. الأميركيون يجب ألا يأتوا إلى هنا. أحياناً أفكر فعلاً إن كانوا سيغزوننا عسكرياً". من ناحيته يرى الطالب الجامعي يوهانس فريدركسن أن ترامب "متغطرس"، مضيفاً: "سيحاول السيطرة على غرينلاند، لكنه سيفشل وسيقع في حرج". "الإنسان ليس للبيع" هانس (المرتدي لقناع أبيض للتدفئة)، والذي يبيع أغراضاً مستعملة على الرصيف، قال: "لا يمكن بيع الناس. الشعب الغرينلاندي لن يبيع نفسه. يمكنه (ترامب) أن يشتري حجارة، لا بشراً. وطني ليس للبيع". وتقول الموظفة في الشؤون الاجتماعية هنا بيرلوند: "من الفظيع أن يحاول أحد شراء وطن مثل غرينلاند. نحن بلد مسالم ولسنا للبيع. حتى لو عرض عليّ مئة ألف دولار، فلن أبيع". في وسط نووك، تقول ألبرتينا نورسن وكاترينا هانسن: "لا نعتقد أن ترامب سيجرؤ على القدوم. لقد حصل على لا كبيرة. نرفض تماماً فكرة ضم غرينلاند". أم غرينلاندية برفقة أطفالها تقول إنها لا تشعر بقلق يومي، لكنها تؤكد: "علينا أن نصبح مستقلين، نعم، دولةً مستقلة". أما المسن ياكوب الذي كان يطل من نافذة شقته المتواضعة فيرى أن الأميركيين "لا يستطيعون فعل الكثير"، بينما تجيب زوجته حين سُئلت: الدنمارك أم أميركا؟ غرينلاند. الاستقلال خياراً متزايداً الجدّتان أفيانا بيترسن وترينا مادسن تعتبران أن حديث ترامب "يحمل غطرسة وعنصرية"، وتشددان على أن: "الاستقلال هو الحل الأفضل، والسيطرة على ثرواتنا ضرورة، بعيداً عن أطماع أميركا وروسيا والصين، وحتى عن النظرة الدنماركية التي تقول إننا لا نستطيع العيش بدونها". الشاب يورواق يربط ذلك مباشرة باجتماع واشنطن: "ما دامت خارجيتنا بيد كوبنهاغن، ستُعقد الاجتماعات من دوننا. هذا أصبح لا يُطاق. الأفضل أن نبني اقتصادنا بأنفسنا". ويتفق معه المسن نيكولاي أونسن، قائلاً: "لا مخرج لنا على المدى البعيد إلا الاستقلال". وقال قرينه المتقاعد كالير، في مبنى أونسن نفسه: "نحن غرينلانديون ولسنا دنماركيين ولا أميركيين، سوف نستقل حين نبني الاقتصاد ونتدبر تمويلنا بأنفسنا". في نهاية المطاف فإن ما تكشفه أحاديث الناس في غرينلاند هو أن الرفض الشعبي لا يقتصر على الطرح الأميركي، بل يشمل أيضاً استمرار الوصاية الدنماركية. الغرينلانديون لا يريدون استبدال تبعية بأخرى، ولا أن يتحول وطنهم إلى ملف أمني أو صفقة سياسية. رسالتهم واضحة: هذه الأرض لهم، ومستقبلها يجب أن يُقرَّر في نووك لا في واشنطن ولا في كوبنهاغن.

أخبار ذات صلة.

( نوافذ يمنية) محرك بحث إخباري لا يتحمل أي مسؤولية قانونية عن المواد المنشورة فيه لأنها لا تعبر عن رأي الموقع..

جميع الحقوق محفوظة 2026 © نوافذ يمنية