عربي
كيف يمكن للديمقراطية أن تحافظ على معناها في زمن تتآكل فيه الثقة، وتتقدّم فيه الخطابات المبسّطة، ويتحوّل فيه الغضب الاجتماعي إلى رأسمال سياسي؟ وبأيّ معنى تظلّ السيادة الشعبية قائمة حين يُعاد تعريف "الشعب" عبر إقصاء الاختلاف، وحين تُختزل السياسة في مواجهة أخلاقية بين "نحن" و"هم"؟ ثم ما الذي يجعل الشعبوية عرضاً متكرّراً داخل الديمقراطيات المعاصرة، لا انحرافاً مؤقتاً في مسارها؟
تنبع أزمة الديمقراطية الراهنة من تحوّل بنيوي في العلاقة بين المواطن والمؤسسات. لأنّ الديمقراطية الحديثة قامت تاريخياً على تمثيل سياسي يربط الإرادة الفردية بالقرار الجماعي عبر وسائط دستورية، وحزبية، وبرلمانية. لكنّ هذه الوسائط فقدت تدريجياً قدرتها على إنتاج المعنى والثقة. وقد أشار ماكس فيبر في محاضرته "السياسة بوصفها حرفة" إلى أنّ الشرعية السياسية تقوم على الإيمان، سواء كان تقليدياً أو قانونياً عقلانياً. غير أنّه حينما يتآكل هذا الإيمان، تتحوّل السلطة إلى مجموعة من الإجراءات الإدارية، وتُفتح الطريق أمام أنماط بديلة من التعبئة.
في هذا السياق، تبرز الشعبوية باعتبارها منطقاً سياسياً يعيد بناء العلاقة بين القائد والجماعة على أساس عاطفي مباشر، حيث إنّ القائد الشعبوي لا يقدّم برنامجاً بقدر ما يقدّم سردية خلاص، حيث يُصوَّر المجتمع كجسد مجروح، وتُحدَّد النخب، أو المهاجرون، أو المؤسسات... بوصفهم مصدر الفساد. وقد حلّل إرنستو لاكلو هذا البناء في كتابه العقل الشعبوي، مبيّناً أنّ الشعبوية تنتج خطاب "الشعب" عبر ربط مطالب متعدّدة غير محقّقة في هوية واحدة مضادّة للنظام القائم. هذا البناء الرمزي يكتسب فعاليته حين تعجز الديمقراطية التمثيلية عن استيعاب التعدّد الاجتماعي والهوياتي والفكري.
غير أنّ الشعبوية لا تظهر في فراغ، وإنّما تتغذّى من أزمات اقتصادية واجتماعية متراكمة. على سبيل المثال: تفكّك الدولة الاجتماعية، اتّساع الفوارق الطبقية، هشاشة العمل، وتراجع الأمان الوجودي... كلّ هذه العوامل أعادت تشكيل التجربة السياسية للمواطن الذي لم يعد يؤمن بالطبقة السياسية. وقد نبّه كارل بولاني في كتابه "التحوّل العظيم" إلى أنّ تحرير السوق من الضوابط الاجتماعية يولّد ردات فعل سياسية تبحث عن الحماية، وقد تتّخذ أشكالاً سلطوية. في هذا الإطار، تتحوّل الشعبوية إلى لغة احتجاج تعبّر عن شعور عميق بالخسارة والتهديد.
يتّخذ هذا التحوّل بعداً أخطر حين يمتزج بالشعور بالاستبعاد الرمزي، حيث إنّ المواطن لا يشعر فقط بالتهميش الاقتصادي، بل أيضاً بعدم الاعتراف الثقافي والسياسي. وقد أشار شارل تايلور في عمله "سياسة الاعتراف" إلى أنّ غياب الاعتراف يجرح الهوية، ويدفع الأفراد والجماعات إلى البحث عن أشكال تعويض رمزي. وهكذا، يوفّر الخطاب الشعبوي هذا التعويض عبر تمجيد "الشعب الحقيقي"، وإعادة الاعتبار لهويته المفترضة، مقابل نخب تُصوَّر بوصفها منفصلة عن الواقع وعن مآسي الشعب.
على المستوى المؤسسي، تقوّض الشعبوية ركائز الديمقراطية الدستورية. لأنّ ادّعاء التمثيل الحصري للإرادة الشعبية يبرّر تهميش البرلمان، وإضعاف القضاء، والتشكيك في الصحافة، والنظر إلى التعدّدية بوصفها تهديداً للوحدة. وقد حذّر ألكسيس دو توكفيل في كتابه "الديمقراطية في أميركا" من هذا المنزلق حين اعتبر أنّ ضغط الرأي العام قد يتحوّل إلى شكل ناعم من الاستبداد، حيث تُقمع الأصوات المخالفة باسم الإجماع.
يتفاقم هذا الوضع مع التحوّل الرقمي للفضاء العمومي، فوسائل التواصل الاجتماعي أعادت تشكيل شروط النقاش السياسي، حيث يتقدّم الانفعال على الحجاج، والاختزال على التعقيد. وقد ربط يورغن هابرماس في كتابه "بين الحقائق والمعايير: مساهمات في نظرية الخطاب الديمقراطي" شرعية الديمقراطية بوجود نقاش عقلاني حرّ داخل فضاء عمومي مفتوح. غير أنّ هذا الفضاء يتعرّض للتشظّي، بفعل الخوارزميات التي تعزّز الانغلاق، وتحوّل السياسة إلى سوق انتباه، لا إلى مجال تداول للمعنى والخطاب العقلاني غير الشعبوي. من زاوية فلسفية أعمق، تكشف أزمة الديمقراطية عن توتّر بين المساواة السياسية والاختلاف الاجتماعي، حيث إنّ الديمقراطية تفترض مواطناً قادراً على الحكم، غير أنّ شروط هذه القدرة تتفاوت بفعل التعليم، والإعلام، والموقع الاجتماعي. وقد نبّه بيير بورديو إلى هذا التفاوت حين تحدّث عن العنف الرمزي، حيث تُفرض رؤى معيّنة للعالم بوصفها بديهية. وبهذا تستثمر الشعبوية في هذا التفاوت عبر تبسيط الخطاب، وتحويل السياسة إلى لغة قريبة للغة الشارع، وإن كانت فقيرة معرفياً.
حين يتراجع الاعتراف الثقافي والسياسي، يصبح الخطاب الشعبوي تعويضاً رمزياً يعيد تشكيل الهوية الجماعية، ويحوّل الغضب الاجتماعي إلى قوة سياسية تتحدّى التعدّدية والدستور والفضاء العمومي
رغم ذلك، لا يمكن اختزال الشعبوية في خطر صرف، فهي أيضاً علامة على خلل عميق داخل الديمقراطية. وقد أشار شانتال موف في كتابه حول السياسة إلى أنّ التعدّدية الديمقراطية تحتاج إلى صراع منظَّم، حيث يُعترف بالتعارض بدل قمعه. لكنّ المشكلة لا تكمن في التعبير عن الغضب، بل في غياب أطر ديمقراطية قادرة على تحويله إلى مشروع سياسي عقلاني. إنّ تجاوز أزمة الديمقراطية في زمن الشعبوية يقتضي إعادة بناء شروط المشاركة والمعنى. هذا يشمل تجديد البرامج الدراسية للتربية المدنية، وتعزيز العدالة الاجتماعية، واستعادة دور الفضاء العمومي، وربط التمثيل بالمحاسبة الفعلية. وكما كتب جون ديوي في عمله "الديمقراطية والتعليم، إنّ الديمقراطية نمط حياة يقوم على التعلّم المستمر، وعلى قدرة المجتمع على تصحيح ذاته عبر النقاش والخبرة المشتركة.
في الأخير، تكشف الشعبوية عن لحظة حرجة في تاريخ الديمقراطية، حيث تتصارع الإرادة مع العقل، والانفعال مع المسؤولية. كما أنّ الديمقراطية لا تنهار بفعل خصومها وحدهم، وإنّما بفعل عجزها عن تجديد ذاتها. وهكذا، فإنّ التفكير الفلسفي في هذه الأزمة يمنح أدوات لفهم جذورها، ولإعادة طرح سؤال السيادة والشرعية خارج منطق الاختزال. لأنّ الديمقراطية هي مشروع إنساني، تظلّ رهينة بقدرتها على تحويل التعدّد إلى قوّة، والغضب إلى وعي، والاختلاف إلى أفق مشترك للفعل السياسي.