عربي
معلوم أن هناك شامتين بيننا (نحن العرب) بإيران، بل هناك من لا يخفي أمانيه بضربة عسكرية أميركية كاسحة لها تُسقط نظامها وتكسر شوكتها. أسباب ذلك جليّة لا تحتاج توضيحاً؛ جلّها مرتبط بسياسات إيران الطائفية في المنطقة على مدى عقود مضت، والجرائم التي ارتكبتها أو دعمتها في حق شعوب عربية، كما في العراق وسورية واليمن، من دون أن يعني ذلك غياب العداء المذهبي لدى بعض المناوئين لها. لكنْ ثمّة أمور ثلاثة يغفلها كثيرون: الأول بديهي، والثاني معطياتيٌّ، والثالث جوهري.
البديهي أن الرأي العام العربي لا يؤثّر إيجاباً أو سلباً في قرار أميركي بشنّ عدوان على إيران. قد يتيح التأييد الفرصة لبعضهم للتشفي، ونفث ما في الصدور من غضب محتقن ضدّ إيران، كثير منه مشروع، لكنّه لا يعني أنّنا شركاء في القرار. أما الأمر المعطياتيُّ، فهو أن واشنطن عندما تصعّد مع إيران، فإنها لا تفعل ذلك انتصاراً لمظالم العرب، ولا حتى لمظالم الشعب الإيراني. المصالح الأميركية والإسرائيلية هي البوصلة الوحيدة والحصرية، لا الأساسية والمركزية فقط. وهذا يقودنا إلى الأمر الثالث، وهو الجوهري: تحييد إيران أو احتواؤها ضمن المقاربة الأميركية - الإسرائيلية يعني عملياً استفراد واشنطن وتل أبيب بالمنطقة، وفرض وصايتهما وأجندتهما عليها. بمعنى آخر، على الفرحين المترقّبين ضربةً أميركيةً ضدّ إيران، إنْ وقعتْ، أن يتذكّروا أن الولايات المتحدة وإسرائيل لن يكونا أرحم بالعرب من إيران. وليس أدلّ على ذلك من أن واشنطن قد تَعدِل عن توجيه ضربة لطهران إذا قدّمت الأخيرة التنازلات المطلوبة منها وفق الاشتراطات الأميركية والإسرائيلية.
يقدّم القرآن الكريم "سنّة التدافع" سنّةً كونيةً فيها مصلحة للبشرية واستقرارها. وتقوم سنّة التدافع على أن الصراع والتنافس بين قوى مختلفة ومتعارضة يحدثان توازناً ويمنعان طغيان طرف واحد واستبداده المطلق. لا يتطلّب الأمر أن تكون القوى المتدافعة كلها خيّرة، بل قد يكون بعضها، أو حتى كلّها، شريراً، لكن توازن القوى بينها وتعارض أجنداتها يخلق مساحات للتنفّس والمناورة للقوى الأضعف. "وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُم بِبَعْضٍ لَّفَسَدَتِ الْأَرْضُ" (البقرة: 251). "وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُم بِبَعْضٍ لَهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيرًا" (الحج: 40). هذان هما السياقان اللذان ورد فيهما التدافع في القرآن الكريم، وكلاهما يؤكّد أن التنافس بين قوى متعارضة ومختلفة فيهما رحمة للناس، رغم أنهما قد يتضمّنان صراعاً عنيفاً بين أقطابها؛ لكنّ كلفته أحياناً قد تكون أقلّ وطأةً وشراسةً من طغيان طرف واحد متحرّر من كل اعتبارات الإنسانية والأخلاق والقانون.
تعارض إيران السياسات الأميركية والإسرائيلية في المنطقة، وهذا ما أتاح مساحة معقولة لقوى كثيرة، خصوصاً في السياق الفلسطيني، أن تقاوم إسرائيل
في حقبة الحرب الباردة بين الولايات المتحدة والاتحاد السوفييتي البائد (1947 – 1991)، كانت صراعات عنيفة بين القطبين، كما في شبه الجزيرة الكورية وفيتنام وأفغانستان. ما كان للولايات المتحدة أن تُهزم في فيتنام لولا ذلك التنافس بين الدولتَين، وما كان للاتحاد السوفييتي أن يُهزم في أفغانستان لولا ذلك التنافس أيضاً. لكنّ دولاً مثل كوبا وسورية ومصر في عهد جمال عبد الناصر، وجدت مساحةً معقولةً للنجاة والمناورة بسبب التنافس وتعارض الأجندات بين القطبَين وتوازن القوى بينهما. ولكن منذ انهيار الاتحاد السوفييتي وسقوط نظام ثنائية القطبية الدولية، استفردت الولايات المتحدة بالعالم، وزال من طريقها أيّ رادع لممارسة البلطجة كيف تشاء وأين تشاء. هذا لا يعني أن الاتحاد السوفييتي كان قوة خير واستقرار، لكنّه كان يشكّل كابحاً للجموح الأميركي عالمياً، تماماً كما كانت الولايات المتحدة تمثّل كابحاً أقوى له. واليوم نسمع أصواتاً كثيرة تُمني نفسها بأن تكون الصين قوة موازية للولايات المتحدة في المسرح الدولي؛ لا لأن الصين أفضل كثيراً (فحتى هي تمارس دوراً إمبريالياً في منطقة المحيطَين، الهادئ والهندي)، ولكن من باب وجود توازن وتنافس يتيح هوامش أوسع للمناورة أمام القوى الأضعف.
عودة إلى إيران: لا أحسب أن أيَّ شخص يملك عقلاً سليماً، أو على الأقل يحترم نفسه، سيبقى يردّد كالببغاء أن إيران ما هي إلا عميل مستتر يتحرّك ضمن الفلك الأميركي – الإسرائيلي. هذا كلام فارغ، وقد أثبتت أحداث العامَين الماضيَين ذلك بشكل يقطع الشكّ باليقين، حتى في عقول بعض المشكّكين غير المنطقيين. مارست إيران سياسات خبيثة بحق بعض العرب، مثلما مارس (ولا يزال) عربٌ كثيرون دوراً تدميرياً ضدّ عرب آخرين، وضد ذاتنا الجمعية. لكن إيران، لأسباب دينية وأيديولوجية وجيوسياسية، لديها تعارض مع السياسات الأميركية والإسرائيلية في المنطقة، وهذا ما أتاح مساحة معقولة لقوى كثيرة، خصوصاً في السياق الفلسطيني، أن تقاوم إسرائيل. ولا ننسى هنا أن إيران ونظام المخلوع بشّار الأسد ساهما في دعم المقاومة العراقية للاحتلال الأميركي، ليس حبّاً في العراق، وإنما خشية من أن يكونا الهدفَين التاليَين لواشنطن حينها. تلك هي سنّة التدافع.
وبالتالي، سقوط النظام في إيران، أو إخضاعه، يعني أن المشرق العربي مقبل على مرحلة من الاستفراد الأميركي – لإسرائيلي فيه، حيث لن يُقبل منه إلا الرضوخ التام، وإعادة تشكيل بنى المنطقة ككل بما يخدم مصالح واشنطن وتل أبيب، فيما نكون نحن مجرّد ساحات منهوبة، وعبيداً من دون إرادة ولا كرامة ولا قدسية حياة.
