عربي
انتهت المعركة في حلب، في حيَّين، معظمهما من الكرد السوريين. جملة تحتاج إلى كثير من الجهد والتفكير بعقل بارد كي نستطيع معاً، نحن السوريين، تجاوز المحنة الجديدة بعد سلسلة المحن الأخرى في الساحل والسويداء، والتوترات في حمص.
يدرك متابعو "السوشيال ميديا" وسرديات بعض الضيوف المشاركين في مختلف البرامج الحوارية في التلفزيونات العربية، ومنها السورية الرسمية، (أو يشعرون) أن مخطّطاً أو اتفاقاً ما كان موجوداً؛ أو أن احتقاناً ضخماً وجد صداه لدى السوريين، ولم يكن ينقصه سوى شرارة صغيرة لإشعال فتيل خطاب الكراهية والمواجهة، وهي في مجملها يُخشى أن تجرَّ الوضعَ إلى صراع عربي – كردي. إذ يكفي أن يخرُج أحدُهم، ويقول في برنامج تلفزيوني: "اقتلوهم كلّهم"، في إشارة إلى عناصر "أسايش" (قوى الأمن الداخلي للإدارة الذاتية) في حيّ الشيخ مقصود. ومن الطبيعي أن يتأثّر قسمٌ كبيرٌ من الكرد بهذا الخطاب، أو أن يُشكّل مشهد رمي مقاتلة كردية من شرفة منزل (شاركت في المعارك) على يد عنصر عسكري سوري، مع هتافات "الله أكبر"، نمطيةَ خوفٍ من السلطة، وهو خوفٌ لن يقود إلى الاستكانة أو الهروب، بل إلى البحث عن مسارات أخرى كلّنا في غنىً عنها. أو وصف الوجود الكردي بأنه طارئ وحديث وأنهم جماعة مهاجرة لا غير، متناسين أن الوجود الكردي الجغرافي والاجتماعي تشكّل قبل وجود الدولة السورية الحديثة بقرون، بل سبق وجودُه معظم الكيانات التي ستوجد بعد اتفاقية سايكس – بيكو التي رسمت الحدود وأعلنت الدولة السورية. هذه هي الطامّة الكُبرى، ولا بدّ من التحرّك السريع لمنع انزلاق البلاد نحو صورة أبشع، ربما يُخطَّط لها.
خطاب الكراهية والتنمّر والتشفّي (وإن كان يخصّ في كلماته وعباراته قوات سوريا الديمقراطية)، مع عبارات عن حقوق الكرد يحرّك التفكير في أربع قضايا متشابكة. الأولى، أنه بعد تواصل الرئيس أحمد الشرع مع رئيس إقليم كردستان العراق السابق، مسعود البارزاني، ثم شُكر وزارة الخارجية لدور البارزاني في استدامة السلم والاستقرار في سورية، جاء الخطاب الرسمي للسلطة بأن الكرد جزء من النسيج السوري. كان المفروض أن تهبط حملات التحريض عبر مختلف وسائل الإعلام إلى أدنى درجاتها؛ فالرئيس الانتقالي ووزير الخارجية يشيدان بمواقف الكرد. لكن زيادة الوتيرة والسعي نحو حصر حقوق الكرد ضمن إطار فولكلوري ثقافي – لغوي، وبشكل شفهي، من دون أيّ وعود، مع تضخيم التهجّم، يقودان إلى الاستفسار حول أدوار داخلية أو ربما خارجية في قيادة هذه الحملة التي يصفها كثيرون بالممنهجة. فمثلاً، النظام السوري بجبروته وإجرامه لم يغيّر تسمية حيّ الشيخ مقصود في حلب، لكن بعضهم بادر إلى إطلاق تسميات جديدة له، والغمز من قناة فتح صراع كردي – مسيحي عبر تكرار سردية أن المسيحيين هم من بنوا هذه الأحياء وأن الكرد استولوا عليها. القضية الثانية أن موقف المبعوث الأميركي، توم برّاك، كان واضحاً عبر إعادة إحياء اتفاقية 10 مارس (2025)، إذ يقول للطرفَين: لا خيار أمامكم، ولا فرص جديدة خارج هذا السياق. فلماذا تصرّ تلك الألسن على قرع طبول الحرب، وحصر الخيارات بين ثنائيات الحرب أو السلم، الاستسلام أو القصاص؟
يرغب السوري اليوم في ألا تأتيه السلطة وأفرعها الأمنية أبداً
أما ثالثة هذه القضايا، فتخصّ طبيعة العلاقة مع إسرائيل. ألم يكن الأولى تمتين الجبهة الداخلية أولاً؟ وهل الاتفاق مع إسرائيل أهم من الترتيبات الداخلية مع جميع المكوّنات؟ أليس رفض النُّخب والصحافيين والنشطاء لتغييب بنود الاتفاق مع إسرائيل أهم ممّا يجري حالياً من تحريض وتدليس؟ والقضية الرابعة أن الدول الأوروبية كلّها تؤيّد استمرار الدعم السياسي وضمان الاستقرار في سورية بإشراك المكوّنات والأقليات في الحكم. كذلك إن الإنهاء الكامل والشامل لقانون عقوبات "قيصر" يشترط على السلطة حسن الجوار وضمان حقوق الأقليات والقوميات. اتجهت السلطة مسرعةً نحو "حسن الجوار"، لكنّها غير مستعدّة للانفتاح على المكوّنات. هي ترى نفسها أمام خطرَين: خطر خارجي متمثّل بإسرائيل، تحرص على التفاوض معها، مع استمرار توغلها في الأراضي السورية، فيما يُنظر إلى عقد حوار وطني جدّي وحقيقي بوصفه تنازلاً وزعزعةً لهيبة الدولة! أيُّ وطنية ومواطنة وعيش مشترك هذا؟ فمن دون الأخذ بالحسبان طبيعة التركيب الاجتماعي والسياسي السوري وحساسيته والشرط الدولي، فإن نفقاً مظلماً ينتظر بلادنا.
ما يدفعني إلى الخوف ورفض هذه النمطية من التعامل الإعلامي أن ضمن قوات سوريا الديمقراطية (قسد) كتلةً كرديةً وأخرى عربية، لهم أقرباء وأصدقاء خارجها، وتوجد جماعات سياسية وشعبية من جميع المكوّنات خارج "قسد". سيقود هذا الخطاب التحريضي إلى إشعال فتيل أزمة ومواجهة، وربّما إلى صراع محلّي أهلي لن ينتهي بمن يفوز؛ لأنها على قاعدة خاسر – خاسر. لماذا لا نعترف بأن السبب الأساس للمشكلات ليس الشيخ مقصود أو الأشرفية؟ ليست انتهاكات الساحل ولا السويداء وفقدان الآلاف أرواحهم من المدنيين والعسكريين (سواء من الأمن العام السوري أو من الأطراف الأخرى). المشكلة، باختصار شديد، أنه لا آفاق لحلول سياسية في سورية، بل تفضيل للعقلية الأمني العسكرية على الحل السياسي.
تطالب الألسن المدافعة عن السلطة (والمحسوبة عليها) بمنحها الوقت والمساعدة في الاستقرار كي تُنجز مهامها. من حيث المبدأ هذا أمر جيّد ومهم ومفهوم، لكن غير المفهوم أن تسند السلطة كل شيء إلى نفسها من دون الأخذ بالاعتبار أن مكوّنات أخرى جزء أصيل من هذه البلاد، وأن المرحلة الانتقالية التي يتحدثون عنها، وحتى تكون متينة وراسخة، لا بدّ أن يُفعّل ما تحتاج إليه من مجلس انتقالي أو هيئة حكم انتقالي تُشارك فيه جميع المكوّنات، مع إعلان دستوري يخلق الانتماء والشعور بالاستقرار والأمان، وليس العكس.
تكمن المشكلة السورية في تفضيل العقلية الأمنية العسكرية على الحل السياسي
أغفلت السلطة أبرز محرّضَين ومحرّكَين لسلوك السوريين: الأول أنها لم تأتِ عبر الانتخابات، أو في حالة مجتمعية وسياسية سليمة، أو تداول سلمي للسلطة، أو حتى بعملية انقلابية؛ بل جاءت عقب نصف قرن من ظلم آل الأسد، و14 عاماً من الدماء والقتل على الهُويّة وخطف الدولة من عصابة النظام السابق. بمعنى أن حمولة التوتّرات والتشنّجات وتراكم الاحتقان و"مكبس" العنف الذي تحوّل جزءاً من الذات السورية لا يمكن نسيانها أو القفز فوقها أو التعامل معها على أنها أمر ثانوي، بل هي المدماك الأساس في بناء الدولة السورية. والثاني أن السوري اليوم ليس هو سوري الأمس، فالصبر نصف قرن على العسف والمحق يدفع السوري إلى البحث عن الأمان كي لا يفكّر في البديل أو يسأل: ماذا يفعل؟ وبالتالي، كان يرغب في ألا تأتيه السلطة وأفرعها الأمنية أبداً. السوري اليوم خائفٌ من بقاء الوضع على ما هو عليه، ومن فقدان هذه البلاد بريقها وألقها، ومن أن تبقى السلطة من دون تحوّل إلى مفهوم الدولة، ودون أن يحدث أي تغيير حقيقي.
من دون جسر حقيقي بين أطراف البلاد، وحوار وطني جادّ (وفاعل وحقيقي) بعيداً من لغة التخوين والتحريض، لن تقوم قائمة لهذه البلاد. وحتى لو سيطرت السلطة على كامل الجغرافيا السورية، فإن غياب عقل الدولة والعقل السياسي الجمعي لن يؤمّن الالتزام الشعبي، بل إن الخضوع القائم على التخويف والسلاح ليس سوى أرض معبّدة لاستمرار الصراع.
