عربي
فيما تواصل الولايات المتحدة في عهد الرئيس دونالد ترامب، الإيحاء بأنها تعمل على تفكيك النظام العالمي الذي ساهمت بالدرجة الأولى في فرضه منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، يبرز السؤال الذي أصبح مكرّراً حول مصير حلف شمال الأطلسي (ناتو)، والذي تمعن إدارة ترامب في إضعافه معنوياً واستراتيجياً، من خلال تصويره غير ذي جدوى بالنسبة لأمنها، واعتباره وكأنه شأن أوروبي بحت، لا سيما في ظلّ عدم اعتبار هذه الإدارة روسيا، خطراً كبيراً محدقاً على الأمن القومي الأميركي. وتجلت هذه النظرة، والقلق في أوروبا، حول مستقبل الحلف، منذ ولاية ترامب الأولى (2017 ـ 2021)، وعادت اليوم إلى الواجهة، الأسئلة حول مستقبل قيادة الحلف ودوره وفعاليته مع نشر الولايات المتحدة استراتيجية إدارة ترامب الثانية للأمن القومي، والتي وضعت "أميركا أولاً" كأولوية للإدارة بدل العمل الجماعي مع الحلفاء التقليديين للولايات المتحدة، ثم تهديد ترامب بالقوة العسكرية للسيطرة على جزيرة غرينلاند القطبية التابعة للدنمارك، التي اعتبرت من جهتها، وهي دولة عضو في "ناتو"، أن أي عمل عسكري أميركي حيال الجزيرة يعني نهاية الحلف الأطلسي.
ترامب: روسيا لا تقلقها على الإطلاق سوى الولايات المتحدة
ترامب يسخر من "ناتو"
ويبدو اليوم، مع تسارع التطورات على ضفتي الأطلسي، أن أي حديث عن مراجعة أميركية لدورها القيادي داخل الحلف، قد يُخشى أن يكون خارج السياق، بعد اتخاذ إدارة ترامب قراراً أحادياً دون استشارة الحلفاء، بشنّ عمل عسكري في فنزويلا وخطف رئيسها نيكولاس مادورو، وقبل ذلك تنفيذ ضربات في نيجيريا، دون التشاور مع الحلفاء في المنطقة، واعتبار وجوه في إدارة ترامب أن منطق القوة يفرض نفسه. ويوم الخميس الماضي، نصح نائب ترامب، جي دي فانس، الدول الأوروبية بأخذ كلام ترامب حول غرينلاند، ورغبته بالسيطرة عليها، على محمل الجد، فيما سخر ترامب مجدداً في مقابلة مع صحيفة نيويورك تايمز، نشرت يوم الجمعة الماضي، من حلف شمال الأطلسي، قائلاً إن أياً من سلفيه، باراك أوباما أو جو بايدن، لم يتمكن من إقناع دول الحلف بصرف 5% من ناتجها المحلي على الدفاع. وقال: "أريدهم (الدول الأوروبية)، أن يتحسنوا، أظن أننا سنبقى على اتفاق دائماً مع أوروباً، لكني أريدهم أن يتحسنوا... ولكن عندما تنظر إلى ناتو، أستطيع أن أقول إن روسيا لا تقلقها على الإطلاق أي دولة ما عدا الولايات المتحدة".
وخلال الأشهر الماضية، بدت الولايات المتحدة وكأنها تعتزم فعلياً التخلي عن دورها التاريخي قائدةً عسكريةً لحلف ناتو (الولايات المتحدة تقود تاريخياً ناتو منذ حوالي 75 عاماً بعهد الرئيس دوايت أيزنهاور) لصالح ألمانيا، رغم أن ترامب سمّى في يونيو/حزيران الماضي الجنرال ألكسوس غرينغفيتش، قائداً للقوات الأميركية وقوات ناتو في أوروبا، ما بعث حينها برسالة قوية بأن الولايات المتحدة ستواصل أداء دور قيادي في الحلف. وجاء التعيين وسط سيل من التقارير حينها، التي تحدثت عن أن واشنطن تعتزم التخلي عن دورها القيادي في الحلف، وأن إدارة ترامب تقوم بمراجعة قوية لمراكز القيادة والقتال حول العالم (شبكة أن بي سي في 18 مارس/آذار 2025)، وتبحث التخلي عن دور القيادة في الحلف، وهو الدور المشرف أيضاً على خطط دعم أوكرانيا في حربها ضد روسيا.
وارتفع منسوب هذه التكهنات، مع عودة الحديث عن دور قيادي محتمل لألمانيا في الحلف، بضوء أخضر أميركي، من جهة، وبإبداء برلين تحت قيادة فريديرش ميرز، ميلاً أكبر إلى تعزيز قطاع الدفاع الألماني، وسط التهديدات (الروسية خصوصاً) المحيطة بالقارة، والانكفاء الأميركي. وتجلت الضبابية الأميركية، في هذا السياق، بعد تعيين غرينغفيتش، بتصريحات أدلى بها السفير الأميركي لدى ناتو، الجنرال ماثيو وايتاكر، خلال المؤتمر الأمني الذي عُقد في نوفمبر/تشرين الثاني 2025، في برلين، حين قال إنه يتطلع إلى اليوم الذي ستخاطب فيه برلين واشنطن، وتعلن استعدادها بأنها ستتولى قيادة قوات الحلف في أوروبا. ولاحقاً شدّد وايتاكر في منشور على إكس، في 19 نوفمبر، على ضرورة وفاء الحلفاء بالالتزامات التي تعهدوا بها في قمة لاهاي خلال يونيو 2025، لافتاً إلى أن هذه الالتزامات هي الاستثمار في الدفاع وتعزيز التعاون الصناعي وحماية للتماسك، و"هي أعظم مزايانا الاستراتيجية".
وكان كلام وايتاكر، خلال المؤتمر، قد استدعى رداً من الجنرال الألماني في الحلف، وولفغانغ وين، الذي قال إن ألمانيا مستعدة لتولي مسؤولية أكبر، لكنها تفضل رؤية قيادة أميركية لـ"ناتو". رغم ذلك، فإن أصواتاً عدة في القارة، لا سيما منها الفرنسية، لم تتوقف منذ فترة، عن الحثّ على ضرورة تعزيز القدرات الدفاعية في أوروبا، وأن يكون على القارة تحمّل مسؤولياتها الأمنية. وقبل أيام، حذّر وزير الخارجية الفرنسي جان نويل بارو، في خطابه السنوي أمام السفراء الفرنسيين، من "خطر" يتهدد النظام السياسي الأوروبي الراهن.
إلى ذلك، اعتبرت خبيرة الأمن معهد جرمان مارشال فاند، في برلين، كلاوديا ماجور، في برنامج حواري مع قناة "إيه آر دي" الإخبارية في 14 ديسمبر/كانون الأول الماضي، أن "واشنطن تريد نزع الطابع الأميركي عن ناتو، ونيتها تظهير نفسها وسيطاً بين الحلف وروسيا أكثر من كونها حليفاً فعّالاً".
وأظهرت قراءات عدة، أن الولايات المتحدة قد تميل إلى انسحاب تدريجي من دور القيادة في الحلف، لا سيما أن استراتيجية الأمن الأميركية الجديدة ورغم عدم تشكيكها بعضوية واشنطن في "ناتو"، إلا أنها نصّت، على سبيل المثال، على أن الأيام التي كانت الولايات المتحدة تدعم فيها النظام العالمي برمته كـ"أطلس" قد ولّت، والشعار هو الآن "أميركا أولاً". ومما لا شك فيه أن إدارة ترامب تعول على القدرة الألمانية لتولي منصب القائد الأعلى لقوات الحلف في أوروبا مستقبلاً، وبالتالي فإن ألمانيا بإمكانها أن تلعب دور الضامن الرئيسي المحتمل للأمن في أوروبا، توازياً مع ما تسعى إليه الولايات المتحدة لتحقيق التكافؤ بين القدرات العسكرية الأوروبية والأميركية على المدى الطويل.
وفي خضم هذه التصريحات والمقاربات الأميركية، رأى الباحث في الشؤون السياسية والاستراتيجية الأوروبية ينس دوران، في حديث مع "العربي الجديد"، أنه منذ تأسيس حلف شمال الأطلسي عام 1949، يتولى قيادة الحلف في أوروبا جنرال أو أدميرال أميركي رفيع المستوى ويكون عادة المسؤول عن التخطيط والتوجيه لجميع عمليات "ناتو"، معتبراً أن طرح السفير الأميركي ماتيو وايتاكر ربما يكون سابقاً لأوانه لأن ألمانيا هي في مرحلة إعادة التسلح، وكما هو معلوم فإن هناك الكثير من المماحكات السياسية حالياً بخصوص آليات وسرعة التجهيز للجيش الألماني وتطبيق نظام التجنيد الإجباري الجديد، رغم رصد أموال بمليارات اليوروهات لذلك، فضلاً عن العوائق اللوجستية والتدريب وغيرها.
ينس دوران: الولايات المتحدة ستبقى بحاجة إلى نفوذها العالمي، وبالتالي من مصلحتها الاستمرار بإدارة القوات المسلحة الأوروبية في الحلف
وأعرب دوران عن اعتقاده بأن ألمانيا قد تكون في هذه المرحلة في حال من التردد لجهة الإقدام على خطوة من هذا النوع، مبرزاً أن الجنرال الألماني فولفغانغ وين، ممثل ألمانيا في "ناتو"، رأى الأمور بشكل مختلف نوعاً ما عن الأميركيين، حيث أكد أن بلاده مستعدة لتولي مسؤولية أكبر داخل "ناتو"، لكنها لا تزال تعتبر دور القيادة مسؤولية أميركية.
ويوجد حالياً 78 ألف جندي أميركي في القارة الأوروبية، وأعلنت واشنطن في أكتوبر/تشرين الأول 2025 عن خفض عديدها في رومانيا، من 4 آلاف إلى حوالي ألف جندي، لأن نية الإدارة الأميركية توفير المال والموارد، وفق دوران، مضيفاً أنه "إذا ما نظرنا إلى إجمالي الناتج المحلي، فإن الدول الأعضاء الـ23 في الاتحاد الأوروبي ضمن الحلف، لا تمثل سوى ربع الناتج الاقتصادي الاجمالي للحلف تقريباً، أي أن 75% من الناتج خارج الاتحاد، أي من بريطانيا والنرويج وكندا والولايات المتحدة".
عدا ذلك، رأى دوران أن الولايات المتحدة ستبقى بحاجة إلى نفوذها العالمي، وبالتالي من مصلحتها الاستمرار بإدارة القوات المسلحة الأوروبية في الحلف، وبالتالي فرض المزيد من الضغط على أوروبا لضخّ أموال إضافية على الإنفاق الدفاعي لـ"ناتو" من أجل حماية نفسها، لافتاً في هذا السياق، إلى معارضة الأمين العام لـ"ناتو" مارك روته استقلالية الاتحاد الأوروبي في مجال الأمن، هو الذي شدّد في حديث مع وكالة الأنباء الألمانية في 26 ديسمبر الماضي على أنه ليس من الضروري أن يصبح الاتحاد الأوروبي مستقلاً تماماً عن الولايات المتحدة في الشؤون الدفاعية، وأنه في نهاية المطاف يتعلق الأمر "بالعمل جنباً إلى جنب" مع واشنطن التي تدعم الحلف دعماً كاملاً.
إصلاحات لتكثيف الردع
ومع تأكيدات ميرز عزم ألمانيا توسيع قدرات قواتها المسلحة وتعزيزها لتصبح أقوى جيش تقليدي في أوروبا، رأى خبراء أمنيون، بينهم الجنرال الألماني أنغوغير هارتزمن، أن على ألمانيا أن تقوم بإصلاحات وتكثيف جهودها لردع أي هجوم روسي محتمل ولضمان نجاح الدفاع ضد التهديدات، وأهمها نظام المشتريات بالاعتماد السريع على الأسلحة الفتاكة والمتطورة والأعتدة الحديثة. وأضاف الجنرال الذي يقود قيادة القوات المشتركة للحلفاء في برونسوم بهولندا، خلال مؤتمر برلين الألماني، أن "ألمانيا ككل لم تصل إلى النضج الاستراتيجي المطلوب في عصرنا".
وفي هذا الصدد، تفيد قراءات أمنية استراتيجية بأن الاستثمار في القدرات لا يكفي وحده، إنما متابعة ما يخطط له الآخرون وفي مقدمتهم روسيا، التي ووفق الخبراء، ترى أن ألمانيا قاطرة الاقتصاد الأوروبي والساعية لتكون جيش أوروبا القوي والطرف المتطور أمنياً، ستستغرق إدارة المشتريات العسكرية فيها سنوات مع الصعوبات في زيادة إنتاج الأسلحة لدى الشركات الأوروبية والأميركية، وبالتالي وفق القراءات بجب خلق مقاربة جديدة بما خصّ الردع، لأن الحلف لا يستطيع تنظيم الردع لألمانيا، ولكن يجب أن يكون قادراً على الردع من خلال ألمانيا، أي يجب اعتماد مناقشات في كيفية تفعيله مستقبلاً ووفق مستوى الدعم المتبادل المنصوص عليه في المادة الخامسة للحلف، كما ودراسة كيفية الاستجابة لمختلف التهديدات التي تواجه الحلف والاتحاد الأوروبي.
وكان الفريق في الجيش الألماني كريستيان فرويدينغ أفاد أخيراً بأنه في ظلّ نقص عديد الأفراد والمعدات، هناك أربع أولويات للجيش الألماني: رفع الجاهزية العملياتية بسرعة لتعزيز القدرة القتالية، وتوسيع القوة العسكرية وفقاً لقانون الخدمة العسكرية الجديد، والاستفادة من الابتكارات التكنولوجية التي يفضل أن يطورها القادة التكتيكيون من "القاعدة إلى القمة"، فضلاً عن "تعزيز ثقافة قيادة قائمة على القيم، وحيث يلتزم جميع الجنود بالنظام الحرّ والديمقراطي ويلهمون رؤساءهم بانضباطهم".
