عربي
برزت أزمة المواصلات في قطاع غزة نتيجة للدمار الواسع وغير المسبوق الذي أصاب الطرق والمركبات من جراء القصف الإسرائيلي على مدار سنتين من حرب الإبادة التي جعلت نحو مليوني فلسطيني نازحين.
لا يعد التنقل داخل قطاع غزة مجرّد رحلة يومية عابرة، بل مغامرة محفوفة بالمخاطر تبدأ من لحظة الخروج من المنزل، فالفلسطيني الذي كان يستقلّ حافلة أو سيارة أجرة للوصول إلى عمله أو جامعته، بات اليوم يقف لساعات طويلة على قارعة الطريق، يلتفت يميناً ويساراً بحثاً عن مركبة يمكن أن تقله وسط زحام النازحين ووعورة الطرق المدمرة، وغياب أي نظام نقل مستقر، ما يجعل فرص الوصول في الوقت المناسب محدودة للغاية.
ودمر القصف الإسرائيلي المباشر شبكات الطرق في القطاع ضمن التدمير الممنهج للبنية التحتية، وأصبحت أجزاء واسعة من الطرق غير صالحة للاستخدام، وتحوّلت غالبيتها إلى حفر عميقة، وغطى الركام بعضها الآخر، أو أغلقتها أنقاض المباني المنهارة، في حين توقفت الجرافات والمعدات الثقيلة التابعة للبلديات عن فتح الطرق أو إزالة الركام بسبب نقص الوقود وقطع الغيار، ما يجعل مهمة التنقل اليومي شبه مستحيلة.
وتشير تقديرات المكتب الإعلامي الحكومي في غزة، إلى تضرر نحو 90% من البنية التحتية، كلياً أو جزئياً، وتُفيد وزارة النقل والمواصلات في غزة، بأن 70% من المركبات تعرضت لأحد أشكال التدمير، وتؤكد أنها قررت تنفيذ حملة إزالة للمركبات المدمرة في مدينة غزة، كون شوارعها أقل تضرراً مقارنة ببقية محافظات القطاع، مشيرة إلى أن حجم الدمار في طرق مدينة خانيونس يبلغ نحو 90%.
تعيق أزمة مواصلات غزة الوصول إلى المستشفيات والمدارس والأسواق، ويعتمد كثيرون على سيارات متهالكة أو عربات تجرّها الحيوانات
وإزاء غياب وسائل النقل الاعتيادية، برزت بدائل بدائية غير مهيأة لنقل أعداد كبيرة من الأهالي، كما لا تتوفر فيها معايير السلامة والأمان، إذ بات الناس يعتمدون على مركبات صغيرة تُعرف بـ "العجلة" موصولة بالسيارات، أو العربات التي تجرّها الحيوانات، أو مركبات "توك توك" هزيلة تتهادى بين الحفر وفوق الركام، ما يعيق القدرة على الوصول إلى المستشفيات والمدارس والأسواق، ويزيد الأعباء الملقاة على عاتقهم بينما يعيشون ظروفاً معيشية قاسية.
في كل صباح، يعيش الفلسطيني أحمد جبر (42 سنة) دوامة أفكار حول كيفية الوصول إلى مكان عمله في إحدى المؤسسات الدولية التي يقع مقرها في مدينة دير البلح بالمحافظة الوسطى، ويؤكد أنه يضطر إلى الخروج من منزله الواقع في حي الشيخ رضوان شمالي مدينة غزة عند الساعة السابعة صباحاً، علماً أن عمله يبدأ في الساعة التاسعة.
يقول جبر لـ"العربي الجديد": "أضطر إلى مغادرة المنزل قبل موعد العمل بساعتين أو أكثر من أجل ضمان الوصول في الموعد المحدد، وذلك ناتج عن أزمة المواصلات المتفاقمة، وتقلص أعداد السيارات التي تقل الركاب في ساعات الصباح الباكر. نعاني من تبعات أزمة المواصلات يومياً، عدا عن كون السيارات الموجودة في القطاع متهالكة، وتفتقر غالبيتها إلى أدنى معايير السلامة، ما يجعلني أشعر بعدم الراحة طوال الطريق".
ويوضح أن "طرق قطاع غزة باتت وعرة، ما يدفع السائق إلى السير ببطء شديد، وبالتالي يستغرق الوصول إلى مكان العمل وقتاً يتجاوز الساعة ونصف الساعة، يُضاف إلى ذلك أن غالبية السيارات موصول بها ما يُعرف بـ (العجلة)، والتي تنعدم فيها كل وسائل الأمان. هذه كلها أزمات تسهم في تعطيل العمل، وتعيق الوصول إلى المكان المطلوب في الموعد المحدد".
تعيش الفلسطينية حنان مرزوق (29 سنة)، وهي أم لثلاثة أطفال، المعاناة ذاتها كلما همت بزيارة منزل عائلتها الكائن في مخيم الشاطئ غربي مدينة غزة. تقول لـ "العربي الجديد": "حينما أقرر الذهاب إلى بيت عائلتي، أبدأ التفكير بالرحلة الشاقة الناتجة عن قلّة سيارات الأجرة. يبدأ المشوار بالانتظار الطويل الذي يزيد عن نصف الساعة حتى تأتي سيارة كي تقلّني مع أولادي، وعند وصول السيارة تكون متهالكة، وربما لا تصلح للسير أصلاً".
تضيف مرزوق: "غالبية السيارات موصولة بالعجلة، وأضطر عادة إلى الركوب، لتتحول الرحلة إلى فترة خوف على أولادي من أن يسقطوا منها، والأمر الآخر أن الجلوس في هذه العجَلة مُتعب للغاية، كون الكراسي بداخلها حديدية، وهي بالتالي غير مُريحة، وتُسبب آلاماً كثيرة بسبب كثرة الاهتزازات التي تحدثها وعورة الطرق والحفر الموجودة فيها. أصبحت المواصلات وسيلة للتعب والإرهاق بدلاً من كونها وسيلة راحة".
لا يختلف حال الفلسطينية زكية داود (58 سنة)، والتي أصبح التنقل بالنسبة لها رحلة معاناة وعذاب بسبب انعدام وسائل الراحة في السيارات، خصوصاً أنها تعاني آلاماً شديدة في الظهر، وتقول لـ "العربي الجديد": "التنقل من مكان إلى آخر بات رحلة عذاب، فكل السيارات متهالكة، ولا تصلح لنقل البشر، لكننا لا نملك أية خيارات بديلة. قبل أيام كنت أريد الذهاب إلى مجمع الشفاء الطبي لتلقي العلاج بسبب الآلام التي أعانيها، وبعد انتظار دام قرابة نصف ساعة على قارعة الطريق، جاءت سيارة موصولة بعجلة، ولم أملك خياراً سوى الركوب، لكن الرحلة كلها كانت مؤلمة، ووصلت إلى المستشفى بآلام أشد في ظهري من كثرة الضربات التي تعرضتُ لها من جراء الكرسي الحديدي الذي جلست عليه، ونتيجة كثرة الحفر في الطريق".
وتوضح داود أن هناك أزمة أخرى واجهتها، وهي عدم توفر "الفكة"، فالسائق اشترط عليها دفع الأجرة خمسة شواكل معدنية، وهي لم تكن تملك سوى عملة ورقية، وحدث جدال بينهما، علماً أنه كان يمتلك الكثير من الشواكل. ويتذرع العديد من السائقين بعدم توفر السيولة النقدية كي يجمعوا أكبر قدر منها من الركاب.
بينما يقف على قارعة الطريق مع طفلته التي يريد توصيلها إلى أحد المراكز التعليمية في مدينة غزة، يروي الفلسطيني فادي عبد القادر (36 سنة) لـ "العربي الجديد"، أنه يضطر إلى توصيل ابنته ثلاثة أيام في الأسبوع، وهذه معاناة كبيرة في ظل أزمة النقل الحادّة، إذ يستغرق الوصول عادة وقتاً طويلاً.
يضيف عبد القادر: "نضطر في كثير من الأحيان إلى ركوب عربات التوك توك بسبب قلة السيارات، وليس لدينا بدائل أخرى، وفي بعض الأوقات أضطر إلى السير على الأقدام لتوصيل ابنتي بسبب انعدام وسائل النقل. لم نكن نشعر بهذه الأزمة مُطلقاً قبل الحرب، وكل هذه الأزمات هي نتاج الحرب التي طاولت كل مناحي الحياة، بما فيها قطاع المواصلات. الأجرة مُرتفعة، وتصل إلى خمسة شواكل للأماكن القريبة، وهذا لا يتناسب مع الأوضاع المعيشية التي خلّفتها الحرب، وعادة ما يتذرع السائقون بارتفاع سعر الوقود، ويُضاف إلى ذلك أزمة الفكة التي أصبحت نهجاً اعتاد عليه السائقون، وكل هذا يتسبب بتأخير وصولنا إلى الأماكن التي نريدها".
بدوره، يؤكد الفلسطيني شادي عايش (42 سنة)، والذي يعيش في مخيم الشاطئ غربي مدينة غزة، أنه يواجه صعوبات يومية كبيرة خلال توجهه إلى سوق الصحابة الكائن في شرقي المدينة، من أجل جلب الاحتياجات اللازمة لبسطة صغيرة يعتاش منها، ويوفر عبرها احتياجات عائلته.
ويقول لـ "العربي الجديد": "أتوجه كل صباح إلى السوق من أجل جلب احتياجات البسطة، لكن أزمة المواصلات تستغرقني وقتاً طويلاً، فبدلاً من أن تستغرق الرحلة نصف ساعة، أقضي في الطريق أكثر من ساعتين في كثير من الأيام، عدا عن تذرع السائقين بعدم توفر السيولة النقدية، وهذا الأمر يُطيل وقت الانتظار حتى وصول سيارة أخرى تقلني".
ويوضح عايش أنه يضطر في بعض الأحيان إلى الركوب في "شنطة" السيارة الخلفية، نظراً إلى عدم توفر مقاعد، وأحياناً في "العجلة" المرفقة بالسيارة، وأحياناً أخرى يضطر إلى السير إلى السوق على قدميه. ويحكي بصوت مُتعب: "أتمنى أن تنتهي أزمة المواصلات الخانقة التي باتت سبباً إضافياً للإرهاق اليومي".
ليست أزمة المواصلات في قطاع غزة إذن مسألة نقل فقط، بل مؤشر صارخ على انهيار البنية التحتية، وتراجع قدرة الفلسطينيين على ممارسة حياتهم اليومية بأمان وكرامة، فالتأخير وضع متكرر، والرحلة محفوفة بالمخاطر، بينما يتفاقم الفقر والمرض. ويستدعي الأمر تدخلاً سريعاً من أجل تخفيف حدة هذه الأزمة، وإعادة بعض الحقوق البسيطة للأهالي الذين تكبلهم الخسائر، وكل آمالهم أن يعودوا إلى بيوتهم أو خيام نزوحهم بسلام.
